رحل عنا سي أحمد أجعيدي المناضل الصادق، وما بقي لنا من ظلال ذكراه. وما نحمله معنا من رحلة عمر عبر التاريخ السياسي والنقابي بيننا..

الموتى وحدهم لا يعودون..وتبقى ذكراهم محفورة في كياننا لردح من زمن طويل..قد نذكرهم أحيانا في أحاديثنا العابرة بيننا بأسمائهم وحينذاك نترحم عليهم وندعو لهم بالرحمة والمغفرة..لكننا نعرف بحق بأنهم لا يسكنون بيننا بل في حيز من مساحة في المقابر ..!
غادرنا البارحة صديق عزيز من الزمن القديم ..لقد عاش بيننا في صورة كاريزمية؛ متشبعة بالتضحية والبذل والصدق في تحمل مسؤولية النضال التحرري ضد كل أشكال البغي والفساد والقهر واللامساواة بين أبناء الشعب المغربي ..

اليوم؛ ستكتب عباراتنا هاته، بين ثنايا سطور شفافة عن شخصية مناضل فذ وشهم من طينة الكبار في زمانه النضالي بيننا..إنها صورة لظل إنسان ورفيق حميم سي أحمد أجعيدي، الذي تشبع بثقافة تحررية وفلسفية، و آمن بالفكر السياسي التحرري، والانعتاق والحرية والعدالة والديمقراطية والشفافية. والقضاء على كل أشكال التحكم والسلطوية والنخبوية والريع بكل أشكاله وأصنافه.. لكل ذلك انضم باكرا للحزب الاشتراكي اليساري الذي ظل يخاصم السلطة كبديل لمشروع مجتمعي يحمله. ويكافح من أجل مغرب جديد يحضن تحت سقف سمائه كل أطياف الشعب المغربي ليس فيه شكل من أشكال طبقة من البؤساء والمقهورين ،ولا من هم تحت عتبة الفقر …

سي أحمد أجعيدي كان يتنفس هواءه الذي ينعشه من حزب الوردة ونقابته العتيدة حينذاك CDT في زمنهما الذهبيين قبل أن تغرب شمس خريفهما في سماء مكفهر وكئيب لبلد ماتت فيه روح السياسة ودفنت بشهادة تاريخية: ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ )) الآية الكريمة.
سي أحمد أجعيدي وهب روحه وذاته كي تستكمل علوها الوجودي -وليس في استطاعة الذات بأن توجد دون أن تعلو على نفسها..وبهذا التعالي تسعى للوجود الحقيقي -حسب توجه الفيلسوف الفرنسي غابرييل راسل- ويكون ذلك تبعا للسفر عبر الحياة والتجارب اليومية التي نخوضهاـ وبالتجلي في واقع يعطي للإنسان قيمته الإنسانية أي من خلال ما سنوفره له من الكرامة في العيش؛ والحياة السعيدة ..ويبقى ذلك حلم وردي جميل، ظل سي أحمد أجعيدي يراوده ويطارد سرابه، صحبة ثلة من ديناصورات الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، منهم من رحلوا ومنهم من قد شاخ وهرم وظلت فكرة الاتحاد تعتبر من الماضي الجميل، والتي توحدت حولها جموع من أبناء الطبقة الوسطى للمجتمع حينذاك…

سي أحمد أجعيدي غادرنا بعد أن قدم مقابل مبادئه وأفكاره التحررية سلامة صحته، وهو يقاوم، ويحمد الله لما أصابه من سقم في ذاته ،وذلك لما كان يتحمله من المكائد والصراعات والأعصاب والتصدعات بين الإخوة الأعداء في تاريخ التشققات التي وقعت في جدران حزب بن بركة ونقابته بعد حكومة التناوب إبان سنة 1998 والردة الديموقراطية سنة 2002 في عهد الوزير السابق إدريس جطو.. وبعدها الانتفاضة السياسية الكبرى لإخوان المغرب بزعامة عبد الإله بن كيران،و اكتساح حزبهم العدالة والتنمية للساحة السياسية المغربية في سنة 2011 أي بعد الاستغلال البين والفراغ السياسي وجني ثمار طازجة لنضالات حركة 20 فبراير ..ولقد كان لكل ذلك أثر ه النفسي السلبي على كل مناضل مغربي حر غيور سليم الطوية والسريرة…
عاش الرفيق الصادق والمناضل الكبير سي أحمد أجعيدي مع جيل طلبة المغرب بالجامعة. وقد ألف الحلقات الطلابية و التي أعطاها حقها الشاعر والأديب المغربي ،ودورها في التكوين الخطابي والسياسي لأجيال مضت، حملت منها من زادها الثقافي ما جعلها تقارع أعداء الديموقراطية والتحرر بهذا الوطن ،إنه الدكتور عدنان ياسين في رائعته( هوت ماروك) التي ترجمت للغتين الفرنسية والإنجليزية ..

ظل سي أحمد أجعيدي يحمل مبادئه التي آمن بها في قلبه وبكل صدق وحب كبيرين، ومسؤولية في طريق النضال، ولذلك وهب حياته للسياسة وطارد سرابها في هذا الوطن العزيز. الذي ظلت الديمقراطية معطلة فيه منذ خمسينات القرن الماضي ليومنا هذا، إلا من بعض الإصلاحات الدستورية وبدون أن نعيشها بروحها في حياة الأحزاب والنقابات ،والحكومات المتعاقبة والبرلمانات بشتى تشكيلتها الهجينة و أغلبياتها في صورة تحمل لنا واجهة للديمقراطية المعطلة و يتم ترويجها كبديل و بطرق دوغمائية ..
أنهي سي أحمد أجعيدي دراسته بحصوله على الإجازة في البيولوجيا .وبعدها سيلتحق بسلك التدريس بمنطقة الجنوب ،وقد ظل وفيا لروح مسيرته النضالية الحزبية والنقابية، إذ كان يرمي بكل ثقله كي تنتشر أفكار ومبادئ الحزب الوطني الديموقراطي في زمن الجمر والرصاص، سواء بين الأصدقاء أوالرفاق أو في منطقة تواجده ككل إلى أن سينتقل لقرية حطان ويتمم بعدها مسيرته النضالية رفقة ثلة من الوجوه الاتحادية المعروفة خلال التسعينيات و التي حملت مه ثقل وعبء المسؤولية الأخلاقية والسياسية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. و الذي كان بحق حزب كل الشعب المغربي بامتياز حينذاك ..

ودعنا سي أحمد أجعيدي في صمت، وهو يحمل معه للقبر تاريخ حزب الوردة في زمنها المزهر و التي ذبلت فيما بعد بفعل موجات الجفاف السياسي المتعاقبة و الذي دفن ومعه كل الجلسات والحوارات والناقشات السياسية الحامية سواء في زمنه بمقر الحزب بحطان أو بمقهى الزهور بخريبكة؛ صحبة وجوه ووجوه كثيرة رحلت لدار البقاء. وبقيت سوى أخلاقهم شاهدة على تضحياتهم.. والسي أحمد صاحب القلب الأبيض، كان يضحي بوقته؛ ويعطي من صحته للوقوف إلى جانب كل رفاقه وأبنائهم. و كل من كان في حاجة إليه يطلبه ..فهو كما عرفناه لايتوانى في الحضور للدعم والمساندة كيفما كانت الظروف..لذلك لما رحل ظلت صورته كإنسان وكصديق وكأخ بظله السياسي والنقابي حاضرة بين أحبابه وأصدقائه وذويه وهم يدعون له بالرحمة والمغفرة وحسن الخاتمة،وهم يشيعون جثمانه لمتواه الأخير…
رحمك الله أخي وصديقي أحمد أجعيدي، وغفر لك ذنوبك كلها برحمته. وجعلك من السعداء في ضيافة رب العزة؛ سبحانه وتعالى عما يشركون..وسلام الله على روحك عنده جل وعلا ..

Share this content:






