قراءة في نص ” هذا العبث”بقلم صلاح المغربي لزهرة أحمد بولحية – خريبكة اليوم- المغرب.

قراءة في نص ” هذا العبث.. ” لزهرة احمد بولحية

مقدمة في انتظار من يتمم

هذا العبث…

نقطتان.

فم مفتوح على سؤال لا ينطق.

كأنها تترك لنا أن نملأ الفراغ بأنفاسنا،

أو أن نبقى نحن أيضًا

فمًا مفتوحًا على لا شيء.

تكتب وهي تعلم:

العبث الحقيقي ليس في الرسم المكسور،

ولا في الخط الرفيع الذي نمشيه طريقًا،

ولا في الصراخ وحسرة مشلولة.

العبث الحقيقي

هو أن نظل نكتب ونرسم ونمشي

ونحن نعلم

أن من خلفنا لا أحد يتمم.

أن نظل نطرح الأسئلة المغالبة على الحد الفاصل،

ونحن نعلم

أن الظل وحده من يراقب.

هذه القراءة

هي محاولتي لأن أكون فمًا آخر مفتوحًا على النص،

لعلي أجد في ارتشاف ثمالته

ما يبرر هذا العبث الذي نسميه كتابة.

أو لعلي أجد ظلًا يمشي أسرع مني،

فيلمل ما تبعثر مني

على دروب هذه القصيدة.

نص: هذا العبث… لزهرة أحمد بولحية

أرسم لوحة مكسورة

وخطا رفيعا

أمشيه طريقا

في هذا العالم..

أصرخ و حسرتي مشلولة

ترتجف داخلي

تفحصني بالأسئلة المغالبة

على الحد الفاصل بين الشك والسقوط

يتحرك ظلي يراقب بصمت

هذا العبث

يتساءل وأتساءل معه

كيف نحث على الطريق

مشهدا غامضا..

أمشي في ظل ظلي

كهواء متعب

و الوجوه من حولي تتقن التنكر ..

في نفس المشهد اليائس

تتراكم الصور

تتزاحم العبر

بلا مقدمة صدارة

تفتح الأبواب

أصير داخلها عمود دخان صاعد

تنفخه الأسئلة

ثم أطفو كظل

في جو ثقيل ..

و العيون الصغيرة من حولي تحلقت

تحملق بضحكات باردة

تعلمت الصمت

في المواقف الشاهدة..

هي الغرابة المقلقة

عمياء بلا حيلة

كابوس يضغط على الصدر

تنكشف منه أجزاء

وأخرى تربو على المشهد الدامس ..

أنظر الى الموقد

تتفحم أفكاري

والطريق الذي ردني إليه

يردني إلى مرآة غائرة

يتكرر فيها نفس المشهد

أننا نضحك

من صداع داخلي

صار عادة

يفضحنا كزمن يعيد نفسه

والصمت شاهد

أن الضحكة الجافة

انسحبت بخفة

تليق بظلي الذي يمشي أسرع مني

يلملم يومه

كنسخة ثانية من زمن فج

يصرخ في وجهي

ولا ينتمي إليَّ

بدمعتين مرتجفتين

يختفي في ليل طويل

وهو يصيح:

هذا اليباب كيف نبت

ونحث أوحش مشهد …

أمشيه

أغترف من قرف الأرض

ثمن عبث

فتح فاه فاغرا

وحتى الثمالة ارتشفني

كظل ضليل ..

قراءة على حد الظل

أولاً: نقطتان

هذا العبث…

نقطتان بعد العنوان،

كأنها تترك للريح أن تتمم.

أو كأنها تهمس:

ما يأتي بعد ليس شرحًا، بل صدى.

نقطتان، وفم يفتح فاغرًا.

وهي تبدأ.

ثانيًا: لوحة مكسورة

أرسم لوحة مكسورة.

لا ترسمها كي تجملها،

بل كي تشهد على كسرها.

كل لوحة تحمل كسرًا خفيًا،

لكنها تكسره جهارًا.

كأنها تقول:

لا جمال

دون أن تعترف بأنك كنت يومًا

قطعة في مرآة تحطمت،

وأنت الآن تعيد تركيبها بالحبر.

وخطًا رفيعًا أمشيه طريقًا.

الخط الرفيع ليس على الورق فقط،

بل على حافة العالم.

حبل وهم نمشي عليه كل صباح،

نظن أن الأرض تحتنا،

وما تحتنا إلا فراغ يتسع.

هي تمشي على حد الشفرة.

بين الشك والسقوط.

وظلها يراقب.

الظل لا يسقط،

لكنه يتعلم من سقوط صاحبه

كيف يكون ظلاً أطول.

على الحد الفاصل بين الشك والسقوط

يتحرك ظلي يراقب بصمت.

ثالثًا: العبث يتساءل

هذا العبث…

يتساءل.

العبث الذي ظنناه فعلًا

صار سؤالًا.

يسأل عن الطريق الذي نحث عليه

مشهدًا غامضًا.

المشهد غامض، والطريق غامض،

لكننا نحث الخطى

كأننا نعرف.

هذا هو العبث بعينه:

أن تمشي بثبات

في طريق لا تراه.

رابعًا: هواء متعب

أمشي في ظل ظلي

كهواء متعب.

الهواء يتعب حين يحمل أكثر مما يطيق.

هي تحمل ظلها، وظلها يحملها.

كلاهما متعب،

لكن لا أحد يستطيع أن يضع الآخر أرضًا.

والوجوه من حولها تتقن التنكر.

كل وجه قناع،

وكل قناع يتقن أن يكون وجهًا.

في المشهد اليائس نفسه

تتزاحم الصور بلا مقدمات،

تفتح الأبواب فجأة،

فتصير داخلها عمود دخان صاعد.

أسئلة تنفخه فيصعد.

ثم تطفو كظل

في جو ثقيل.

خامسًا: عيون صغيرة

والعيون الصغيرة تحلقت.

عيون صغيرة،

كأن النظرة ضاقت حتى صارت ثقبًا.

تحملق بضحكات باردة،

ضحكات تصلح للشتاء.

تعلمت الصمت

في المواقف الشاهدة.

والموقف شاهد، والشاعرة شاهد،

لكن الشهادة تموت

حين يموت الصوت،

أو حين يتحول الصوت إلى صمت متعلم.

هي الغرابة المقلقة.

غرابة أن تكون هنا،

في هذا الجسد، في هذا العالم،

وأنت لا تعرف كيف.

عمياء بلا حيلة.

كابوس يضغط على الصدر.

ينكشف منه أجزاء،

ويتربى الباقي في المشهد الدامس.

الكابوس لا ينكشف كله.

يظهر بعضه ليخيفك،

ويخفي أكثره

ليتركك في خوف لا ينتهي.

سادسًا: المرآة الغائرة

أنظر إلى الموقد،

تتفحم أفكاري.

نار في الموقد، ونار في الرأس.

الأفكار تتفحم لكنها لا تموت.

تتحول فحمًا أسود،

لكنها تظل تحتفظ بشكلها.

والطريق الذي ردها إليه

يردها إلى مرآة غائرة.

في المرآة الغائرة لا يظهر الوجه،

بل يظهر ما وراء الوجه:

صداع داخلي صار عادة.

يفضحنا كزمن يعيد نفسه.

نضحك من صداع داخلي.

أيضحك الإنسان من صداعه؟

نعم،

حين يصير الصداع هو الشيء الوحيد الذي لا يغيب.

نضحك منه

كمن يضحك من مرآة تعيد إليه كل صباح

وجهًا لا يريد.

سابعًا: الظل يمشي أسرع

والضحكة الجافة

انسحبت بخفة،

تليق بظلي الذي يمشي أسرع مني.

الظل لا ينتظر.

الظل دائمًا في المستقبل.

يلملم يومه

كنسخة ثانية من زمن فج،

يصرخ في وجهي

ولا ينتمي إليَّ.

بدمعتين مرتجفتين

يختفي في ليل طويل،

وهو يصيح:

هذا اليباب كيف نبت؟

اليباب لا ينبت.

لكنه نبت.

وهذا هو العبث الأكبر:

أن ترى الشجر في الصحراء،

وتعرف أنه ليس شجرًا،

لكنك تظل تظن.

أن ترى الضحكة في وجه الصداع،

وتعرف أنها ليست ضحكة،

لكنك تضحك.

ثامنًا: ثمن العبث

أمشيه.

أغترف من قرف الأرض

ثمن عبث.

ثمن العبث هو الاشمئزاز.

ليس ثمنًا ندفعه مرة،

بل نغترفه كل يوم

كمن يغترف من بئر لا قرار لها.

الأرض قرف، والطريق قرف، والخطى قرف.

لكن المشي هو الثمن الوحيد

الذي لا يفي بالثمن.

نمشي لنثبت أننا نمشي.

نمشي لأن التوقف هو الموت.

نمشي رغم أننا نمشي

في ظل ظلنا.

تاسعًا: فم فاغر

فتح فاه فاغرًا.

وحتى الثمالة ارتشفني

كظل ضليل.

هكذا تنتهي القصيدة:

بفم مفتوح، وارتشاف.

من يرتشف من؟

الظل الضليل يرتشف صاحبته حتى الثمالة.

الظل الذي كان يمشي أمامها

صار فاغرًا فاه،

وارتشفها.

كأن العبث لا يكتفي بأن يكون ظلًا،

بل يريد أن يكون فمًا.

والفم يريد أن يبتلع

من مشى فيه.

عاشرًا: نقطتان أخيرتان

في آخر المشهد،

لا تبقى إلا نقطتان بعد العنوان.

والعنوان يقول: هذا العبث…

ونحن نقول: هذا العبث…

ونقطتان

تنتظران من يتمم.

لكن لا أحد يتمم.

ربما لأن الجملة لا تُتم.

وربما لأن العبث لا ينتهي.

وربما لأن من مشت في الطريق الرفيع

لا تعود لتخبرنا.

أو تعود،

لكنها لا تجد كلمات.

تجد فقط ظلها.

والظل لا يتكلم.

صلاح المغربي

Share this content:

  • Related Posts

    البسمة الشيطانية؛أي حينما تتدحرج كرة الحياة بلا أمل ولا عزاء..!!عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم -المغرب

    الکتابة إنها لغة الروح.وإنها تمثل لنا عبرها ذاک الصراع الوجودي الذي نخوض عبره معاركنا على البياض، و لنا ذاک السلاح الأسطوري عبر مصنع من الکلمات المختارة في جدلية مع الواقع… صحيح أن هناك في المجتمعات من البشر أو رهط منهم.. فحينما تريد أن توقظه من سباته فهو لا ولن يستيقظ أبدا إلا وملك الموت فوق رأسه ،وهو قاب قوسين أو أدني…

    Read more

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    ملتقى الثقافة العاشر تحت شعار التراث الثقافي بوابة الهوية ونبض الذاكرة ..خريبكة اليوم – المغرب

    ملتقى الثقافة العاشر تحت شعار التراث الثقافي بوابة الهوية ونبض الذاكرة ..خريبكة اليوم – المغرب

    قراءة في نص ” هذا العبث”بقلم صلاح المغربي لزهرة أحمد بولحية – خريبكة اليوم- المغرب.

    قراءة في نص ” هذا العبث”بقلم صلاح المغربي لزهرة أحمد بولحية  – خريبكة اليوم- المغرب.

    حين ترتدي العنفوان للشاعر المغربي أحمد نفاع – خريبكة اليوم – المغرب

    حين ترتدي العنفوان للشاعر المغربي أحمد نفاع – خريبكة اليوم – المغرب

    بين التدوينتين لن نتوقف خلف الشجرةالتي تخفي عنا الغابةفي علاقاتنا الاجتماعية..عبد الرحيم هريوى-خريبكة اليوم -المغرب

    بين التدوينتين لن نتوقف خلف الشجرةالتي تخفي عنا الغابةفي علاقاتنا الاجتماعية..عبد الرحيم هريوى-خريبكة اليوم -المغرب

    في نص سردي قصصي قصير على شاكلة عنوان لنص روائي”أحببتك أكثر مما ينبغي”للكاتبة السعودية أثير عبد الله النشمي. تتحفنابه الكاتبة المحلية لطيفة لبريز- عبد الرحيم هريوى- خريبݣةاليوم – المغرب

    في نص سردي قصصي قصير على شاكلة عنوان لنص روائي”أحببتك أكثر مما ينبغي”للكاتبة السعودية أثير عبد الله النشمي. تتحفنابه الكاتبة المحلية لطيفة لبريز- عبد الرحيم هريوى- خريبݣةاليوم – المغرب

    وتسيل الدموع عن قهر بين جوانحنا أو عن غيره…عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم -المغرب

    وتسيل الدموع عن قهر بين جوانحنا أو عن غيره…عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم -المغرب