
كلما مررت عليه في كل صباح باكر كعادته المعهودة وفي المكان نفسه ،وكأنه روبوت مبرمجا على نفس العمل ذاته و بدون مراقب يحصي أنفاسه..وأنا في طريقي للبلدة المفاسيس والتي عرفت فيها النشأة الأولى، وقد جمعت ذاكرتي ما يكفيها من ثخمة وما يفيض عن طاقتي أنا أيضا من الأوجاع، وما يهد الجبال الشامخة وكل كاتب لربما قد لا يمسي كاتبا لا لشيء سوى لأنه عاشق للطبيعة وجمالية الوروود والأزهار وألوان من الفراشات بل الكاتب يولد من رحم الألم والمعاناة.. أما القلم فهو لسان يده الذي ينطق بحاله وبما يحمله الصدر من الندوب والجروح الغائرة.والتي لن تندمل حتى نلبس الثوب الأبيض الأخير ونحن نغوص في ظلمات القبر للدخول لعالم الغيب..ونحن في وحدانية نلج عبر بوابته لعالم المثل الذي خاض فيه فلاسفة الإغريق وتصوروا أقسى ما يمكن أن يسمو له الخيال الفلسفي..
كلما مررت عليه وهو يحمل مكنسته في مسار سهب طويل بالمدينة المنجمية الشعبة -حطان اليوم- لا شيء يوحي على وجهها أنها تعيش الرفاهية ما عدا الأطنان التي تصب من أجوائها وهي تهب من غبار الفوسفاط على سطوح منازلها من مصنع بني يدير..الناس هنا في القرية المنجمية جد طيبين وقد ألفوا أن يعيشوا كعائلة واحدة وهم في تضامن رمزي ضد الحاجة والفقر والبؤس والعزلة، رغم أنهم فوق محيط أكبر للشركة العالمية للفوسفاط OCP في ٱستغلال أرض الأجداد بدون أن تظهر نعمة الثروة الباطنية على تنمية القرية المنجمية بحطان التي تعرف عندنا نحن الساكنة بشعبة عمارة ولا ندري لماذا أضيفت الشعبة كلمة عمارة هذه..!؟!
ذاك خيال صورة لصديقيالقديمـ العربي- لا و لن تفارق خيالي وتفكيري أبدا ..وكلما رمقته وهو هائم ينكس جنبات الرصيف الممتد وهو لوحده.طرقت أبواب الذاكرة المجروحة؛ لكن ظل كل شيء يحمله الفؤاد،وتجمعه الذاكرة المكانية والزمانية كمخزون أدبي لعل في يوم من الأيام يتمخض ذاك الخيال فيولد منه- قصة قصيرة – نشاركها مع كل محب لعذوبة وجمالية الحرف حين يزهر في بستان لغة الأدب..
في زمننا كان الخلاص الوحيد أمام أجيالنا هو التفوق الدراسي، وأن تكون من الأوائل..وأنت ترتقي في مدارج أسلاك التعليم..وعادة ما كان في دوارنا بأولاد أعمر وأولاد بوعزة ومحمد بن قاسم نخبة من النوابغ لا تحصى ولا تعد. وأكثريتهم ستتابع دراستها خارج الوطن.ومن بينها صديقي العربي الذي كان يمتلك قدرة خارقة على التعلم وكأنه تربى في عائلة ميسورة، وفرت له كل الظروف كي يكون عبر تعلمه من النخبة التي يمكن أن تلج أي باب تطرقه حينما تريد استكمال تعليمها…
صديقي العربي ابن البادية بالمفاسيس ظل يعيش في عزلة تامة عن الحياة العصرية كباقي أطفال البلدة في ذاك الزمن القديم، كل شيء يشاركنا حياتنا البدوية هو من إنتاج الطبيعة في دورة حياة الأرض التي تمدنا بالطاقة التي نحتاجها كي تستمر الحياة بعيدا عن الحياة المدنية وثقافتها التي نجهلها. لكن في النهاية سيتم ولوجها من باب إتمام الدراسة هناك في غياب التعليم الإعدادي والثانوي بالقرية والبادية..
وعن صديقي العربي؛ اليوم أتساءل، فهل هو مازال حيا يرزق أم إنه الآن من الموتى لأنني سمعت أنه يكون قد رحل فجأة بدون سابق إنذار..وهو في عقده الخامس..لعله قد أصيب بمرض نتيجة إدمانه على التدخين..
عاش اليتم والفقر والحاجة، وقد تكفل به أحد إخوته الذين كانوا من العمال البسطاء بشركة الفوسفاطOCP..ركب موجة المغامرة كما ركبها جيله بعدما حصل على شهادة البكالوريا بميزة حسن جدا، مما جعله مؤهلا لينال منحة الدراسة بالديار الفرنسية، وبعدها لم يسمع له أي أثر ولم ألتقي معه بعدها أبدا كي أتعرف على أحواله وظروف حياته كطالب في محنة بمنحة قد لا تكفيه للأساسيات هناك في حياة الغربة ..!
وكيف ظل أخوه إلى جانبه يدعمه حتى يتمم دراسته..!؟!
كل شيء بقي مبني للمجهول ..حتى هو ظل نكرة في الغربة ونكرة عند عودته للبلدة..لا أحد يعرفه وكذلك كان بالنسبة للكثيرين من جيله وهم يهاجرون الديار ولا يعودون إلا بعدما أمسوا غرباء عن الأرض والناس..ما عرفته عن حياته بعد العودة أنه انضم إلى جمعية المعطلين والمعطلات بالإقليم في عهد الصدر الأعظم إدريس البصري الذي حاول امتصاص العاطلة حينذاك عبر لوائح من التسجيل في طابور المنتظرين والمنتظرات ريثما يجدون لهذا المشكل البنيوي العويص مخرجا ولو بالتقليل من جيش المعطلين الحاملين للشواهد الجامعية حينذاك. لذلك كان جلهم تم دمجه بالجماعات القروية والبلدية. وكان لصديقنا العربي فرصة ذهبية كي يخدم بلده بالطريقة السوسيولوجية التي ألف أن يعرفها وهو بالديار الفرنسية عبر النظريات الاجتماعية لثلة من المفكرين الذين نظروا لعلم الاجتماع الفرنسي الذي وجد كي يدرس كل التحولات الكبرى والعميقة للمجتمع عبر الثورات الصناعية والتحولات الديموغرافية في نظرة استشرافية لمجتمع اقتحم الحداثة عبر عصر الثورة الصناعية والنهضة الأوروبية في القرنين 19 و20..
لقد كان من الصعب بكثير عن أبناء الشعب البدوي وعبر تعليم محدود في ذاك الزمن بأن يجعل من البدوي مشروع طالب جامعي يتحدى ٱكراهات كثيرة. ومن بينها ثقافة اللغة الفرنسية المهيمنة في ذاك الزمان، واكتساب آلياتها في الكتابة والتخاطب والبحث الأكاديمي .ولايمكن لطلبة الجنوب من فئة الشعب بأن يفرضوا لهم مكانة بتلك السهولة، كمثل أبناء النخبة الغنية والثرية من المجتمع المغربي التي خلفها الاستعمار وظلت تتابع دراستها بالغرب، وتجد لها مكانتها في تقلد مناصب سامية في هرم الدولة بعد عودتها بشهادات عليا في مجالات عدة ومنها العلوم الهندسية وبناء القناطر بالخصوص.عكس صديقنا العربي الذي هاجر لفرنسا ونحن لاندري أية ريح حملته لبلد موليير وڤولتير وسارتر وديبوڤوارو جون جاك روسو وأي دافع جعله يختار من التخصصات سوى علم الاجتماع…!؟!
عاد صديقنا العربي بعد غيبة طويلة يتأبط شهادته الجامعية من جامعة السوربون في علم الاجتماع بعد تعب طويل ومعاناة لا حدود لها ،وكأنه يمثل مشروع فيلم سينمائي مغربي بدوي في باريس..وكله أسئلة عن مستقبل حياة بكرامة قد يحققها في وطنه عبر ولوجه عالم الشغل الذي ضاق في زمنه بأصحاب الشواهد في ظرفية اقتصادية صعبة تعانيها البلاد وركود اقتصادي كان ينبئ بالسكتة القلبية في تسعينيات القرن الماضي..
ظل الكاتب يحمل صورة صديقه العربي، ذاك الطالب الصامت القليل الكلام الذي عادة ما يكسو وجهه ٱبتسامة عابرة متقطعة،وتحمل معها ندوبا عميقة في داخل الكيان المجروح ..من يعرفه يقول عنه إنه صورة من المثقف الحداثي، والحامل لدبلوم جامعي، له وزنه الثقيل حينذاك في عالم الثقافة والمعرفة من بلد ظل محطة من المحطات التنوير العالمية في مجال البحث العلمي والمعرفي والأدب الإنساني والموسيقى والفنون والسينما والمسرح ،ومنبع النظريات الفكرية والفلسفية الحديثة في شتى العلوم الإنسانية و التي خرجت من مصنع العقلانية الأوروبية للفكر الغربي على يد مفكرين كبار كرولان بارث والبنيوية و إنجلز وماركس المادية الجدلية والوجودية لدى سيمون ديبوڤوار و بول سارتر والعقلانية المطبقة للابستيمولوجي غاستون باشلار..
أية مفارقة تلك التي سيجد صديقنا العربي نفسه عبر زمنه الجديد ، وهو يتجرع مرارته لما ستعطيه بدل كتب السوسيولوجيا مكنسة يتكئ عليها كلما شعر بالإعياء كي يتمم ما بقي له من علبة سجائر رخيصة لا تفارق جيبه..يمشي لوحده في كل صباح، كعادته مطأطئ الرأس وهو يكنس نفس المكان.. وبنفس الطريقة.. وعلى جسده نفس الثياب .. لا شيء يوحي لك من بعيد بأنه سعيد أو بأنه في تناغم جميل مع حياة صعبة ولجها من بابها الخلفي متسللا مع آخرين قد رافقهم عبر لقاءات ووقفات وٱنتظارات طويلة جدا كي يحصل على راتب شهري قار يلبي به البعض من أساسيات الحياة في وطنه، وهو غير رافض لمزاولة شغل لا يناسب حتى بنيته الجسدية فما بالك ببنيته الفكرية. وكان يمكن أن يقوم بها غيره، وتحفظ كرامته بطريقة إنسانية ما دام أن هناك من هم أقل منه بكثير ثقافة وتعلما بل لا مقارنة مع وجود الفارق، ولكن هناك أشياء يمكن أن تنال شرفها بفعل ما تمنحك إياها السياسة وعالمها. وما يدور في فلكها إن كنت عنصرا من العناصر التي تبني لها مستقبلا مزيفا وحياة بصباغة ألوان حزبية أو نقابية وكله يعبد لك الطريق بأن تجد نفسك في مكتب صحبة ملفات وطوابع وأوراق ...!!
وكان لا بد لنا أن نختصر الطريق كي نضع حياة طالب سافر لفرنسا كي يعود لوطنه ويتمم حياته بطريقة من الطرق ويعيش على الهامش ويبحث له عن لقمة عيش ويجاري الزمان بكل ظروفه القاسية في ٱنتظار الرحيل ..سألت عن صديقي العربي أحد أقاربه وهو لا يفارق خاطري وكأنني على عهدي به ما زال واقفا في نفس المكان.. وهو يحمل نفس المكنسة ..وكلما مررنا عليه يحس بنا من بعيد وكأن لسان حاله يقول ” كل ما ترونه اليوم كحقيقة فإني كذلك أراه..!!..
رحل صديقي العربي عن عالمنا وبقيت ذكراه في ذاك الشارع الطويل الذي يقسم بين مجمعين سكنيين -الشعبة “حطان“ وسباتة- وعلى ربوتين متقابلتين ،وكأن قدره كان هناك في ذات المكان، وفي ذات الزمان ، و عبر ظلال كاذبة من الوجه السياسي المغربي الذي ظل وأمسى وكان ،وأراده أن يكون شاهدا على عصر تاريخ قد مر ،وعن وجود لظل خفي لشخص إنسان رحل فجأة دون ٱستئذان لما سألت عنه قالوا لي : “بأنه رحمة الله عليه لقد رحل بعد معاناة مع مرض من وجع الحياة..
ولذلك ظل محمود درويش يرددها عن ما سبب وفاته ..!؟
عبارة “فإن أسباب الوفاة كثيرةٌ من بينها وجع الحياة” هي اقتباس شهير للشاعر الفلسطيني محمود درويش، يصف فيها قسوة الحياة ومعاناتها كسبب حقيقي للموت. وردت في سياق تأمله لجنازة شخص غريب، مشيراً إلى أن الموت يوجع الأحياء، وأن الوجع النفسي أشد من الموت الجسدي.منقول
وجع في الحياة
« فإن أسبابَ الوفاة كثيرةٌ من بينها وجع الحياة .. ».محمود درويش
سـونـاتـا قـمـر

Share this content:




