كانت تُرهف السمع لصوت لم تألفه إلا في الأوقات التي تنذر بخطر كبير.
توقفت في منتصف الطريق إلى المطبخ، كأن قدميها التصقتا بأرض البيت، وأصغت.
الصوت هذه المرة لم يكن وهماً؛ كان عالياً، حادّاً، يخترق الجدران: مكبّر صوت يدعو الناس إلى الخروج… إلى مغادرة المنازل فوراً.
تساءلت في نفسها، والفزع ينهش أطراف قلبها، يلتهم آخر ما تبقى لها من إحساس بالأمان.
هي التي عقدت مع الوحدة هدنة حياة منذ أن انتقل زوجها إلى جوار ربه، واختارت أن تعيش على الهامش، بلا ضجيج، بلا مطالب، مكتفية بأن يتركها الزمن وشأنها.
لم تعد تخرج من بيتها إلا نادراً.، بعد تلك الشرخة التي أحدثها الفقد، لم تعد تطلب من الحياة أكثر من السلام. السلام فقط.
عاد الصوت أعلى، أوضح، لا يقبل التأويل.
اقتربت من النافذة، وتساءلت في اندهاش يكاد يكون إنكاراً:
ما الذي يحدث في هذه المدينة؟
هذه المدينة التي اعتادت أن تنام على تعبها، وتستيقظ لتنتزع كسرة الخبز من أنياب زمن لا يمنح إلا العضة والألم معاً.
أطلت برأسها، فازدحمت في عقلها معارك من الأسئلة.
رأت قوات الأمن تجوب الشوارع، تحث الناس على مغادرة بيوتهم حفاظاً على أرواحهم.
سمعت أحدهم يصرخ عبر مكبر الصوت:
«المياه… المياه بدأت تغمر الأحياء! حقينة السد امتلأت عن آخرها، والمطر ما زال يسكب غضبه كسيل جارف… المدينة والمداشر المجاورة مهددة بالغرق!»
تراجعت خطوة إلى الوراء.
لم تسمع خبراً كهذا من قبل.
كان الأمر أكبر من قدرتها على الاستيعاب.
أخذت تذرع البيت ذهاباً وإياباً، كمن فقد رأسه وبقي الجسد يتحرك بلا هدى.
ماذا تفعل؟
إلى أين تذهب؟
ولمن تلجأ، وهي التي لم تغادر هذا البيت منذ أكثر من تسعة أشهر، ولم تختلط بالناس، ولم تفتح نافذة قلبها إلا على الذكريات؟
كانت تعيش مع ماضيها كما لو كان بيتاً بديلاً، يقيها قسوة الخارج الذي شطبها من حساباته.
لكن صوت الإنذارات، كلما تكرر، أحدث في رأسها زلزالاً لا يهدأ.
ثم سُمِع طرق عنيف على الباب.
كأن مطرقة من حديد تهوي على الخشب.
تلاه صوت رجل يناديها:
«لالة، من فضلك اجمعي أغراضك وانزلي فوراً. المدينة مهددة بفيضان، وأحياء كثيرة تغرق الآن».
لم تستوعب الأمر في البداية.
كذّبت الواقع لحظة، لكن قدميها قادتاها إلى الباب.
فتحته، فرأت المشهد عارياً من أي احتمال .الحقيقة كانت هناك، باردة، خانقة، كزكام مفاجئ يستولي على الجسد.
شعرت بالدم يغلي في عروقها، وبرأسها يدور.و الصعقة في قلبها توشك أن تشعل نيراناً. لم يكن هناك وقت لكثير من التفكير.
عادت إلى الداخل مسرعة، ارتدت جلابتها، وغطت رأسها بشال، وتذكرت – بيدين مرتعشتين -أن تأخذ بطاقتها الوطنية وما ادخرته من مال.
طلب منها رجل الأمن أن تُحكم إغلاق الباب، ثم صعدت إلى المركبة التي تقل الأهالي نحو المخيم.
في الطريق، كانت المدينة تغرق أمام عينيها.أحياء كاملة مغمورة، شوارع تحولت إلى أنهار.
كأنها تشاهد حلماً ثقيلاً الاستيقاظ منه صعب .
أصوات الناس تصلها مشوهة: حشرجات، بكاء أطفال، نداءات كأنها مختنقة بالماء.
امرأة مفجوعة تحتضن صدرها كأنها تحاول أن تمنع قلبها من السقوط.
رجل بملابس النوم يعدو خلف الحافلة صارخاً بأعلى صوته:
«لا تتركوني… خذوني معكم!»
كان المشهد أشبه بقيامة صغيرة قامت قبل أوانها.
فهمت حينها أن المدينة في خطر حقيقي، وأن ما خفي أعظم مما يُرى بالعين.
قضت ليلتها في المخيم.
مكان مؤقت، لكنه امتلأ بأصوات البشر وقصصهم.
وفرت السلطات المأوى والمشرب والغطاء، واجتمع الناس بعدما فرّقتهم الأزقة والمسافات.
جمعتهم الأهوال.
جلست في زاوية معزولة، تراقب بصمت.
نادتها فتاة في العشرينيات بابتسامة دافئة:
«يا خالة، انضمي إلينا».
كانت تحاول أن تصنع دفئاً إنسانياً وسط هذا البرد النفسي.
انضمت إلى النساء، حيث بدأ سمر ليلي، كل واحدة تحكي قصة نزوحها، وكأن المكان صار مرآة كبيرة للأسئلة.
قالت إحداهن:
«هل تحمي الأقفال البيوت؟ البيوت ليست جدراناً ونوافذ، البيوت منفذ حياة. وهل حلم العودة نجاة؟»
وقالت أخرى:
«لم نعرف قيمتها إلا حين خرجنا منها».
من بعيد، بدت أضواء المدينة الغافية على الماء شاحبة، تتضاءل في عتمة الليل، كأنها تلوّح ولا تقوى على الكلام.
في خضم هذه المشاعر المتأرجحة بين خوف ورجاء، بين انتظار وانكسار، كان الجميع صابراً، محتسباً، مستسلماً لقدَر تكتبه هذه المرة ذاكرة الماء.
«الماء»، قالت أم وهي تواسي طفلها الذي انفجر بالبكاء،
«كما يمنح الخصوبة، يمنح أيضاً مواسم القلق، ليذكرنا أنه الحارس الأمين على رصيد الأجيال».
ثم همست له:
«نحن لا نهرب من سقف حمانا يا ولدي. الأمر يشبه شجرة غمرتها المياه وحجب عنها الضوء. سينجلي الغبار، وينقشع الليل، وتعود الطيور إلى أوكارها. الأنهار تعرف طريقها إلينا… وهي رحيمة، ستعود محمّلة بالاعتذار».
ركبوا الحافلات نحو النواحي المجاورة،يحملون في صدورهم مدينة لا تنام،تحرسها عيون القادر على تغيير الأحوال.
مضوا،وقد رسموا قلوبهم على الماء،وتركوا ضوءاً من فقاقيع،يلئم صدع الموانئ كلما هزّتها الرياح…

Share this content:




