صوت الخيال يجرالكاتب جرا بعيدا وعميقا حين يقلب صفحات مطوية من الذاكرة عبر خيال حمدان وتفكيره العميق.. هام الكاتب في فتح بعض صفحات من ذاكرة ردمت فيها ذكريات من حياة ماضية بعيدة جدا و أمست في أغوار و أعماق وزوايا الكيان والوجدان الشخصي…
- حمدان الآن يعيش في لحظة استرجاع للتاريخ المطمور ..
- يكتب حمدان عن زمن قد مات ..
- وأنا ذاك الطفل الصغير الذي لا يعرف من العالم إلا الوجوه التي ألفتها صباح مساء..وأعرف من حدود جغرافيتي البعيدة ما يحد بصري من بقايا مخلفات الحفريات التاريخية بجماعة المفاسيس منذ رحيل الٱستعمار..!
- هناك في حدود دوار أوﻻد أعمر، وما حفرته الآلات الأمريكية الضخمة للشركة العملاقة للوفيس OCPمن جبال ممتدة من أتربة مختلطة بالفوسفاط تحولت مع مر الزمان لدى الساكنة أمكنة للاسترزاق حول جمع أنياب الحيثان ورعي الأغنام..!
تذكرحمدان أشياء كثيرة جالت في خاطره وعادت كأطياف من صور مشبعة برمزية من أتربة المكان ..لا شيء قد يعادل حياة الطفولة وبراءة ونشوة عالم الصغار،ومهما ترجل بنا العمر، ومهما فقدناه من سجل تاريخنا، وما محاه الزمان ..ذاك الطفل يبقى صغيرا في أعماق كياننا مهما كبرنا. ونحن نحمله معنا، لأن حديثه ونزقه يلامس أرواحنا .ويوحي لنا بأن كل شيء في الوجود سوف يتغير إلا صورة ذاك الطفل الصغير البرئ الذي نحمل بين جوانحنا …!!
وفي تلك اللحظات تذكر ما تذكره ...
- لما ولج حمدان بالفعل– لما كان طفلا صغيرا – وهو يقتحم عالم المدرسة الجديد ..ذاك المجتمع الصغير الذي يعطيه طعم حياة إنسان آخر يفتح خياله وتفكيره على عالم لا يوجد في واقعه ..ولا يراه في جغرافية باديته عبر صور يكلمها وتكلمه ..وسوف يعيش ثقافة جديدة ستغزو فكره ووجدانه بطرق عديدة، فلا توجد في أكله ولا في شربه ولا في ملبسه ولا في حديثه. لكنها متواجدة في نصوص مقرراته،وسوف يهضمها ويحفظ بعضها عن ظهر قلب …!!
- وفي لحظة تذكرت لما كنت طفلا صغيرا وأنا أقتحم عالم المدرسة الجديد في سبعينيات القرن الماضي .وأنا أحاول أن أعيش لحظات تغمرني كبرعم ينمو في أغصان حياة سوف تكبر مع الزمن..وأنا أحمل قلم الرصاص كي أرسم بشغف طفولي حرف الكاف وأبدع فيه أي إبداع..وأنا أتحسس حينذاك نشوة حياة مدرسية في عالمي الجديد..
- ومن بين ما تذكره حمدان وهو في بداية عهده بعالم المدرسة وهو يحكي :إذ كان المعلم في القسم يجلسنا في الطاوﻻت تبعا لقاماتنا، ولا حق لنا في ٱختيار الصديق الذي يمكن أن نراه مناسبا لنا كي نجلس بالقرب منه .وقد تربطنا به علاقات اجتماعية خارج الفصل..
يسرد حمدان أنه ظل لا يعرف سبب ضياعه المستمر لأدواته المدرسية، مما يجعله في موقف حرج أمام والده، وهو يعيد نفس الطلبات عن شرائه لأدوات يفقدها في غفلة منه ..وقد ظل على تلك الحالة حتى ٱكتشف بالصدفة بأن كل الأقلام التي ظل يفقدها كانت تعرف طريقها لمحفظة صديقه الذي يجلس بالقرب منه لشهور عديدة.. إذ كان اللص الصغير يجمعها في “مْصَرْ “أو شبه صرة صغيرة ” وهو كيس من الكتان كنا نستعمله كمقلمة أو كرز نضع فيه الأقلام والأدوات المدرسية، . فلا يظهر لها وجودا بل ظل يحتفظ بها في محفظته حتى جاء الوقت الذي سيكتشف فيه حمدان بضاعته المفقودة والتي ردت إليه في رمشة عين حين وقع صديقه في المحظور. ونسي محفظته مفتوحة، مما جعل حمدان يتعرف على مسروقه..وما كان عليه إلا أن حولها بسرعة فائقة إلى مكانها الأصلي دون أن يخبر صديقه بالحدث- أضرب الطم- وظل يراقب بشغف طفولي تصرفات اللص الصغير، وهو يبحث عن المسروق دون أن تتوفر له الشجاعة الكاملة في فتح الموضوع أو السعي في طلب الشيء الذي ليس هو في ملكيته بل جمعه عن طريق النشل المستمر لكن كما يقول المثل المغربي – لحرثو الجمل دكوا..–

Share this content:





