تعلَق عيناه الصغيرتان بملامحي، قبل أن تسيح فوق موطئ قدميّ باستحياء،في ذات اللحظة التي تمشّط نظراتي أجساداصغيرة بابتسامة حانية.أصاحبه بلطف نحو مقعده في أول الصف، ترافقه نظراتي وهو يعتدل في جلسته بزهو كبير،بينما أستقبل أسئلة أقرانه في أول يوم دراسي.
يستيقظ في ذاكرتي همس متتالٍ أحدثته صفحات الكراسات بين الأيادي الغضة على خلل سارعت إلى حجبه خلسة عن عيون الأطفال المتلصصة، أقلب وضع الكراسة كي يفتحها ياسين -الذي أذعن غير معلق- على أول صفحة من اليسار إلى اليمين، عكس ما اعتاد عليه في الحصة الأخرى،فيدرك سريعا بأنه يتلمّس عالما جديدا للغة غريبة .
تتجمّد نظراته فوق صورالثلج الذي يكسو أشجار الأرز المتناثرة على صفحات الكرّاسة، بينما تتراقص أعين أقرانه بزهو أمام هندسة الحروف،لم يكن اندهاشا ذاك الذي لمحتُه في عيني ياسين الصغيرتين،كان يبحث عن سرأكثر عمقافي صور طبيعة لم يألفها،يحملق في منظر الثلج،ويعيد تشكيل صور الأشجار بأنامله الصغيرة،بينما أتسمّر غير بعيد في الجهة المقابلة له،أرمق عن كثب وافدا صغيرا من واحات النخل والرمان.
تاركة مساحة أوسع لدهشة الاكتشاف وهي تزحف داخل تفاصيل جديدة تنمو في مخيلته، ولانزياح مشاهد الأمس القريب إلى الركن القصي لذاكرته.يعود من شروده المبطن بالتساؤلات البريئة،بتعبير صارم على سحنته السمراءيشي بعزم كبير في إنجاح رحلة الرجاءالمؤجل،رسمت خطواتها أمه القادمة من بلادالتمر،تحمل على عاتقها مسؤوليةَ حياةٍ جديدة،وتحمّله عبء رهان بداأكبر من سنّه الصغير.
كنت قد قابلت هذه الأم ضمن اجتماع لأولياء الأمور،اكتفت خلاله بالاستماع،ولم تقدها خطواتهاالمتأنية نحوي،إلا بعد أن تعالت عبارات المجاملات الموسمية في حق الحاضنين الجدد أساتذةً وإداريين،إيذانا بفض هذا الجمع الذي كلّف الجميع ساعتين من صباح يوم رتيب كيوم الأحد.
لم تسعفها ضراوة البدء بالتحدث إليّ،إلا وأنا أتأهّب للحاق بما تبقى من يوم يُفترض به أن يُخصص لاهتمامات أخرى غير العمل.
على عتبة باب المؤسسة التعليمية،وبلكنة خمّنتُ أنّها تحمل دفء قلعة الورد،داهمتني كلماتهاالمتعسّرة يلفّهاخجل جميل،وسرعان ما كشفت بتلقائية لم أعهدها من قبل، على أنها حديثة الإقامة بمدينتناالغول،لم أستطع أن أخفي اهتماما يتلقف ما تفوهت به هذه المرأة الشامخة أمامي بطول نخلة جنوبية، وبسحر أصيل لم تواريه لفحة الشمس المطبوعة على وجنتيها،ألتقط بإعجاب ممهور بالتقدير، حرصهاالكبيرعلى ابنها الوحيد، ثمرة زواجها من رجل قاده الوهم إلى الهجرة خارج الحدود،دون أن توافقهاالسبل في الاهتداء إليه بعدأن أوغل في الغياب،منذ ولّى مواريا ظهره لهديل رضيع يلفه القماط،حتى أنها لم تعد تدري هل ابتلعه البحر أم ضاع بين ضباب الشوارع الباردة ؟؟
الأحلام أيضا تأخذ شكل الريح عندما تطوح بها أيدي القدر،فأي تيار هذا الذي اقتلع جذور حكاية تيبّست من الصمت خلف جدران من طين ليُرمى بها في حضن التمدن المتوحش، ولأصير شاهدة على حكاية أخرى تزهر وسط الصخب ؟
تكشَّف لها إصغائي الذي لم تنل منه أبواقُ الباعة المتجولين،كما لم تغب عن لساني عبارات طمأنتها بأن مع كل إشراقة شمس، هناك محاولة أخرى للاستمرارعلى هذا الكوكب، حتى وإن انعدمت الظلال.
في رأس ياسين الصغير،حيث ينبت احتمال آخر لمصير لا يتبين من معالمه شيء،يكبر حلم لم يتسنَّ له نسج عوالمه،إلا ليقدمه قربانا لابتسامةأمه،كائنان هما لم يتعبهماالسفر في اتجاه بداية ربما أفضل.
[ ] في صباح يوم آخر،تتوارى المرأة خلف باب المدرسة،يظهر ياسين وهو يحكم قبضته الصغيرة على محفظة تتسع لأكثر من كراسة، لوحة خشبية،وعلبةألوان،بها رحابة صدر لمعارك الطريق،يعلو بهاأدراج الصعود إلى الفصل الدراسي،أوروبالمستقبل أكثر إشراقا، لا يشكو ثقل حمولتها،ولا يثنيه عزم أطول قامة منه في التطلع نحو ذاك المجهول.كل ما يؤذيه هورائحة الغياب ومناهج تعليمية تكرس البون الهائل بين لون بشرته السمراء ولون الثلج وهو يكسو طبيعة لم يرمقها خلف نافذة الحافلة التي استقلها رفقة والدته،قادمَين من مسقط رأسه إلى مدينة الدار البيضاء الصاخبة.

تورية لغريب
Share this content:






