
01**كيف ينسج الروائي المغربي عبد الكريم جويطي بعمق عباراته ويلبسها ثياب لغة مزركشة من أساليب بلاغية تضفي عليها جمالية في كتابة النص الروائي -بعض المقتطفات من النص المقروء-
-ربما الأموات ما زالوا يوجدون هنا ، يسكنون عددا قليلا من الكلمات ، ومن يعرف هذه الكلمات سيكون قادرا على سماع الموتى-إلياس كانيتي.
-روبرتو آرلت ” من لم يجد العالم برمته في مدينته لن يجد زقاقا أصيلا في أي مكان في العالم،لن يجد شيئا ،إن من هو أعمى في بوينس آيريس سيكون أعمى في مدريد وكولكاتا.
–لم أقف ولم أستوقف ،كما قيل عن “قفا نبك”لامرؤ القيس الرجل لم يكن يخاطب صديقا و لا ناقة،ولكن كان يخاطب ذلك الحيز من ذاته
–للأممكنة أرواح وللأمكنة مشيئة وللأمكنة مكر ولها جند شرس مدجج بحنين الذكريات وجنات طفولة ووجوه وعواطف تحكم به طقوسها على كل محاولة للتحرر منها
–هذا هو الجبل ،كل ما فيه وكل ما يحدث فيه جنون.ألا ترى أن الغمام والمطر والرعد تكون هادئة وعاقلة وحين تصل الجبل تفقد صوابها؟ألا ترى الماعز وهوينط بين الصخور ويبرطم،ويتسلق الأشجار والأجراف فيخامرك الشك بأن الجن يسكنه
02// عين على النص “ثورة الأيام الأربعة عبد الكريم جويطي“
لاشك فيه؛ بأن القارئ الذي ألف أن يحمل معه كتبه الفكرية والأدبية، لربما قد تمسي في كيانه متواجدة أولا قبل محفظته..بل هي أجندة لدى القارئ عينه كما لدى الكاتب معا،فكل كاتب رأسماله جمهوره، ولا مكانة لنص بدون جمهور من القراء..النص الروائي الذي يصحبك إلى كل مكان تقصده ،فهو جزء من حاجياتك الأساسية اليومية والتي تحملها معك. فلا بد أنك تخصص له مكانا اعتباريا لقيمته في عطائه الرمزي و بدون مقابل…كل قارئ جيد للنصوص الروائية ،حينما يريد توديع نص قرأه لا بد أن يحتفي به،ويعطيه قيمته الأدبية والجمالية التي يستحقها عبر ما يتم جمعه من رؤوس أقلام يتم الاحتفاظ على هامش قراءتنا .وهذا نوع من التكريم للنص ومؤلفه .فلذلك لا بد للقارئ في النهاية أن يسجل حضوره صحبة النص عبر قراءة معينة إن استطاع لذلك سبيلا .والنص الحالي-بثورة الأيام الأربعة- يعتبر صناعة أدبية مغربية وصورة من الصور التي التقطتها الذاكرة الفردية والجماعية عن حقبة سياسية ومخاض عسير في عالم الصراعات بين الأفكار والطموحات لجيل من أجيال ما بعد الاستقلال ،تم إنزالها في صورة سردية وعبر خيال فيه من التشويق والوصف والإبداع ما يمتلكه إلا القليلون من الرواة في زمن النص الروائي المغربي الحديث ..إنه نص جمع بين المتعة السردية وجدلية الواقع البئيس لساكنة ظلت في حصار دائم في فيافي نكرة تواجه وحشية الاستعمار وقساوة الحياة في جبل لم تعد له حياة ليعيشها..لاتثق في الجبل،إنه يخفي المسافات ،يريك القمم ويخفي عنك الأودية والالتواءات والمسارب..كان ماوتسي تونغ يردد لأتباعه من يقم بنصف ثورة كمن يحفر قبره بيده.
هو نص يحجز أفكارك كي لا تبديها حتى أن تتم رحلتك صحبة جيل عايش الاستعمار وفترات الاستقلال وعرف اللاستقرار نتيجة الظروف المأساوية التي ظلت تعيشها البلاد وهي تصارع نفسها عبر محطات تاريخية جعل منها الكاتب رواية تحمل على عاتقها كل الأسئلة الوجودية والثقافية والاجتماعية عبر كل الظروف الزمنية الماضية التي تم النبش فيها وإحيائها كي تطفو كأسئلة كبرى وطريقة معالجتها في ظل صراع أسطوري بين شخصيات تمثل أدوارا تاريخية من حقبة سياسية معاصرة بالمغرب – التاريخ أناني أكثر من كائنات الأرض لأنه لا يأخذ من الحياة بشساعتها وتنوعها إلا من يشارك في صنعه: الفرح البئيس لاستبدال شكل سياسي بآخر -ليس هناك زمن، هناك وعي وجودي فقط -الخوف هو المدرسة التي عمل البلد على أن يتخرج منها الجميع-التنظيم السري ليلة 2 مارس 1973-التاريخ يتحرك ممتطيا عجلات الجدل والتناقض –
فكم من رواية قرأناها بمتعة وتركيز شديد وكلما طوينا آخر صفحاتها من سيناريو عجيب من سيناريوهات شاهدة عن عتمات الحياة وشقائها.وبعد ظلت ظلالها تصاحبنا وأسماؤها حاضرة في ذاكرتنا، وظلت التساؤلات عن الوجود الشقي للإنسان تحدثنا عن مالم نقرأه بين فصولها..وكلما غصت في أعماق بحر نص روائي قد يصادفك إبداع متفرد في التعبير الأدبي والفني.لذلك تحمل قلمك كي تضع إشارة ما على كل ما تراه يثير ٱهتمامك،يعطي للنص هبته الأدبية ويحتاج منك أن تعطيه من الوقت الكافي كي تنصت لأصواته الخفية،كل ذلك يجعلك تعيد كتابة فقراته..فأي إحساس يعتريك كقارئ وأنت تدخل كشريك لنصوص روائية تختارها عن حب، ويتدفق زمن القراءة ببطء،فكيف تستشعر روحك وأنت تطرق باب السندباد البحري ولا تعلم ما سيحكيه عن مغامراته،وحينما تستوعب النص بكل تجلياته تبدو كمن له قدرة على الاستماع للأصوات البعيدة...قال السندباد البحرى لسندباد البري عن حكاية قد سمعها سابقا وهي حكاية سيدنا سليمان بن داوود عليه السلام في قوله ثلاثة خير من ثلاثة :يوم الممات خير من يوم الولادةو كلب حي خير من سبع ميت والقبر خير من القصر..نعيد صياغة مقولة تولستوي الشهيرة في تزامن أحداث نعيشها بمنطق الأخلاق في غابة الفوضى الخلاقة من الفساد والإفساد :«كل أنواع السعادة تتشابه،ولكن كل ألم يؤلم بطريقته الخاصة.
03/ويبدع عبد الكريم جويطي صاحب رائعة” المغاربة وأحد أصوات بني ملال الأدبي في نص جديدة من ثلاثة أجزاء اختار له عنوانا ثورة الأيام الأربعة :
إنه نص جد رائع لعبد الكريم جويطي «ثورة الأيام الأربعة»الذي عشنا معه لمدة شهر تقريبا أياما ممتعة من التبحر بين أمواج عاتية من المشاهد التاريخية الشاهدة عن حقبة تاريخية سياسية واجتماعية وثقافية انتقالية ،صعبة للغاية ،مهمة من خلال قراءة لواقع من التناقضات من الصراعات السياسية بعد الإستقلال، والتي لا يمكن أن يعطيك وصفها الأدبي الدقيق إلا مثل هذه الأقلام الأدبية الوازنة التي عاشت بين الكتب وكانت زادها لإشباع جوعها في مملكة القراءة النصية الوازنة والثقيلة..والعودة للذات،هناك دوما رفض فطري للذوبان في الجماعة،هناك ظل نحتمي فيه من سطوة المقام وما يقتضيه من انضباط متصلب،نلعب دوما بأرجلنا التي لا يراها المعلم أو خطيب الجمعة،نشرد ونحن نستمع،نحك أذننا أو أنفننا،لابسبب الحاجة وإنما لتحسس جسدنا الذي تريد الجماعة والشعائر واللحظة طمسه،نتظاهر بأننا نسمع ونحن لا نسمع،نرى ونحن لا نرى ،نبتهل وقلوبنا يباب،نخوض ثورة ونحن نتحدث عن البغال..

Share this content:






