«كلُّ شيء صار مرًّا في فمي بعدما أصبحتُ بالدنيا عليما .آه من يأخذُ عمري كلَّه ويعيدْ الطفلَ والجهلَ القديما..!! »
من شعر إبراهيم ناجي
مررت بالقرب من بيت
سألت عن من مات..!؟
لا جواب لديهم
يتسترون عن الٱسم وصاحبه
انطلق الموكب الجنائزي الطويل
ٱنطلقوا جميعهم بالنعش لمتواه الأخير
مشيت وسط من جاء للدفن والعزاء
أنا لا أعرف أحدا منهم
الوجوه كأنه يوم الحشر
أنا وحدي ولوحدي
أمشي بدون هوية
بدون صلة أو قرابة بمن مات
صاحب النعش هذا
الآن يسابق آخر اللحظات
آخر زمن وجودي
فوق هذه الأرض
أمنا وأمه الأرض
كل شيء حضر في الطريق
كل شيء وقف في توديعه
حين مر
على الحجر والتراب والشجر
وكل كائن عرفه
الآن صار يودعه
كل المخلوقات
تعرف بأنه الآن
في طريقه للموت الأليم
أو لحياة النعيم
صار كل شيء في جهوزية للاستقبال
لقد حُفِرَ القبرُ قبل ساعات
تُلِيَّتْ آيات بينات من سورة ياسين
وبسرعة البرق
ٱنتهى القراء
وخَتْمٌ من الدعوات
الناس مستعجلون
الناس جل الناس
فهم لا يحملون ذاكرة الموت
الناس في زمننا
يحملون ذاكرة الحياة والبقاء
«وأزلفت الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين» إنه قرآن كريم بلسان عربي مبين
فيه نداء ونداء
يفصل بين الحق والباطل
بين الدنيا والآخرة
بين الغني والفقير
بين من يملك ومن لا يملك
بين العفيف الطاهر
والسارق والمختلس
أنا الآن وسط صمت سماء الموت
الوجوه تذكرت الموت
وفي لحظة الموت
أنا الغريب ابن الغريب
وسط هذا الحشد المهيب
الميت أمسى في لا ئحة أسماء الراحلين
لم أعز منهم أحدا ..!
ولا أعرف منهم أحدا ..!
ولا أعرف الشخص ..من مات..!؟
وكيف مات..!؟
وكيف كانت عيشته في الدنيا..!؟
لعله كان تاجرا..!؟
أو سائقا..!؟
أو أستاذا..!؟
أو طبيبا..!؟
أو محاميا..!؟
أوقاضيا ..!؟
أو فقيرا مملقا ..!؟!
أويتيما ..!؟
أو من الساسة الكبار ..!؟
أو من سياسيي هذا الزمان ..!
أو من وجوه أحزاب الليل والنهار..!
أو أحزاب الأزهار والأقحوان والأشجار. !
أو ربما وجه من وجوه عراب الانتخابات وقد ألف الترحال من زمان ..!؟
ظل يبحث عن تسلق الهضاب والجبال ..!
تساءلت الآن كفيلسوف راشد مطلع عن الميتافيزيقا وعمق في السؤال ..!
الروح الآن بلا جسد
وبالأمس جسد وروح
وما شغل الفلاسفة عبر السؤال
الجواب يتواجد ها هنا في القبر بدون لف ولا دوران
الروح تتنقل عبر الأمكنة
فهل يا ترى هذا الميت حمل معه الزاد ..!؟
أم ظل ينهب ويسرق ويظن الموت بعيدة عن الأبواب..!
كل شيء عنده الآن قد ٱنتهى
وبدون الرجوع لكتابة الوصية وتقسيم التركة بين البقية
كل شيء راح
والإنسان أكثر شيء جدلا
إنها الدنيا
سوق ٱكتظ
ثم ٱنفض
ربح فيه من ربح
وخسر فيه من خسر..!؟
فأين ٱسم صاحب هذا النعش ..!؟
لا أدري..!
ولا أحد منهم يدري..!
والله يدري ..!؟
وكل نفس ضائقة الموت
و بعدها ستدري
وبأن السفر طويل
والزاد قليل
والأهوال في كل محطة وٱنتظار
Share this content:





