… نص قصير تحت عنوان “حدث في رمضان” للقاص المغربي عبد السلام كشتير.خريبكة اليوم -المغرب

لم يتحمل القيظ والحرارة التي اجتاحا المدينة ، وتسربت تأثيراتها إلى المنازل .. وحرمته من قيلولة هادئة .. خاصة وأنه لم يثبت مكيفات للهواء في منزله لقلة ذات اليد . فانضافت مصاعب الصيام إلى معاناته مع الحرارة …

خرج يبحث عن شيء ما يحميه من الحر وقيظه .. فقادته خطواته إلى فضاء تجاري عصري .. دخله دون أن يكون قد برمج زيارته من قبل ..

دفع أمامه عربة التسوق بعدما استلها من صف العربات المركونة في مدخل السوق . وبدأ يتجول بتمهل في أروقته وفضاءاته .. توقف مليا أمام رواق أجهزة التلفاز مختلفة الأحجام والأشكال ، يشاهد بعض ما تبثه هذه الأجهزة وبشكل موحد من أفلام وأغاني ووصلات إشهارية لماركات تجارية معينة ، أثار انتباهه هذا المشهد ، فأطال النظر في هذه الأجهزة …..

فاجأه المسؤول عن الجناح وهو يقدم له توضيحات عن كل جهاز  :

– لدينا هنا أجهزة تلفاز من النوع الجيد .. حديثة ورقمية 100% .. وبأحجام وأشكال مختلفة ..

– تتنوع وظائفها وخياراتها .. وتختلف أثمنتها طبعا .. ووو .

لم يتفاعل معه كثيرا .. نظر إليه ، واكتفى بهز رأسه إشارة منه على فهمه وإحاطته علما بما قيل له ..

دفع عربته أمامه متابعا جولته . تفحص عن بعد أشكال وألوان عدد من الأفرشة ، و بطانيات قطنية بمقاسات مختلفة .. أوحت له بالدفء والحرارة وهو يطلب الآن الرطوبة والطراوة ..

لم يبالي بوكيل الجناح وهو يمد له دليلا عن هذه الأفرشة …

تحرك ببطء مبالغ فيه ، يدفع عربته بصعوبة ، تبدو كما لو أنها هي من تجره ، إلى فضاءات أكثر برودة .

قادته خطواته إلى أروقة عرض الخضر والفواكه ، والأسماك وأكشاك الجزارة .

فبدأ يجول ببصره بين الأثمنة الموضوعة على كل بضاعة ،  ويحاول مقارنتها بأثمنة ما يعرض في السوق القريبة من منزله .. حرك رأسه يمينا وشمالا .. ثم بشكل دائري ، ورفع حاجبيه إلى الأعلى ، صفر بصوت منخفض .. تعبيرا منه عن رفضه للغلاء الذي تعكسه هذه الأثمنة ….

ثم استمر في جولته ، يجر رجليه بتثاقل شديد بعدما استرخت أطرافه وعضلاته ، من فرط التبريد السائد في فضاء الخضر والأسماك ومواد الجزارة .. حتى صار نصف جسمه ملقى على العربة التي يدفع أمامه …

أنهى جولته ، بعدما مر بكل أجنحة وأروقة وفضاءات السوق .. وتفحص كل ما تعرضه من بضائع .. واطلع على أثمنتها .. بل جرب ما يمكن تجريبه ولمس ما يمكن لمسه .

تفقد الزمن في هاتفه ، فأدرك أن وقت أذان المغرب إقترب … دفع بالعربة إلى زاوية بالسوق .. تركها هناك .

عدل من هيئته وهندامه ثم أنسحب عبر ممر الزوار . وهو يحس بحيوية ونشاط كبيرين ، بعدما أنعش جسمه بالبرودة التي تسود في السوق الممتاز …

Share this content:

  • Related Posts

    . الانعتاق الأخير لحارتنا..»عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم-المغرب

    . الانعتاق الأخير لحارتنا..» يقول الشاعر والروائي الأرجنتيني” روبيرتو لتر ” والذي انتحر سنة 1942 من لم تلهمه الحارة التي عاش فيها {خريبݣة بالنسبة للكاتب}لن يلهمه أي مكان آخر في العالم، ولو كانت روما أو باريس أو طوكيو أو بوينس آيرس.. اليوم في قصيدة نثرية .. الحقيقة الغائبة عن ديارنا رغم ثرائها فأنا لا أرى ما يجب أن يرى..! أنا أنظر…

    Read more

    قصة قصيرة -آخر زفرة من الكيس البلاستيكي..عبد الرحيم هريوى  – خريبكة اليوم- المغرب

    قصة قصيرة -آخر زفرة من الكيس البلاستيكي..عبد الرحيم هريوى  – خريبكة اليوم- المغرب وأنا الجالس في المقهى كعادتي .. وأنا هائم أقرأ بعض الصفحات من كتبي المنتقاة ..الموسيقى الصامتة تكسر بعذوبتها فضاء ذاك المكان..وأشعة الشمس تظهر وتغيب .. وأنا تائه في قراءتي لكتاب روايات تاريخ الإسلام لجرجي زيدان ..وأنا أعيش أجواء الفتنة الكبرى التي عاشتها أمة الإسلام .. كنت عبر خيالي أتصور…

    Read more

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    لحظة للتاريخ عبر توقيع المحضر ما قبل الأخيرفي مسار مهني يمتد ل 37 سنة لابن العم الأستاذمصطفى الإمالي..خريبكة اليوم – المغرب

    لحظة للتاريخ عبر توقيع المحضر ما قبل الأخيرفي مسار مهني يمتد ل 37 سنة لابن العم الأستاذمصطفى الإمالي..خريبكة اليوم – المغرب

    . الانعتاق الأخير لحارتنا..»عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم-المغرب

    . الانعتاق الأخير لحارتنا..»عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم-المغرب

    موسم الحرث في باديتي..القلم المحلي الأستاذ سعيد شنيك- خريبكة اليوم – المغرب

    موسم الحرث في باديتي..القلم المحلي الأستاذ سعيد شنيك- خريبكة اليوم – المغرب

    فصل الشتاء في باديتي…للقلم المحلي الأستاذ شنيك سعيد – خريبكة اليوم – المغرب

    فصل الشتاء في باديتي…للقلم المحلي الأستاذ شنيك سعيد – خريبكة اليوم – المغرب

    في لحظة عابرة بين رؤيتين وبإيجاز عن المثقف والثقافة في وطننا وتدوينة للأستاذ مصطفى الإمالي -إنزكان 

    في لحظة عابرة بين رؤيتين وبإيجاز عن المثقف والثقافة في وطننا وتدوينة للأستاذ مصطفى الإمالي -إنزكان 

    قصة قصيرة -آخر زفرة من الكيس البلاستيكي..عبد الرحيم هريوى  – خريبكة اليوم- المغرب

    قصة قصيرة -آخر زفرة من الكيس البلاستيكي..عبد الرحيم هريوى  – خريبكة اليوم- المغرب