موسم الحرث في باديتي..القلم المحلي الأستاذ سعيد شنيك- خريبكة اليوم – المغرب

موسم الحرث في باديتي

كان لموسم الحرث في باديتي طعم خاص ،لا يشبه طعم آخر …طعم يمتزج فيه عرق الأرض بنبض الحياة ،وتتعانق فيه رائحة التراب المبلل ببشائر الأمل.

أتذكر والدي رحمه الله ،وهو يستعد لهذا الموسم كما يستعد المحارب لمعركة نبيلة، ينهض مع الفجر ،يتفقد السماء ويقرأ في زرقتها وأحوال غيومها ، مالا نقرأه نحن .

يستقدم رجلا مياوما ،يحمل معه خبرة السنين ،ويدين تعرفان لغة الأرض أكثر من أي كلام.

كانت أراضينا تمتد في صمت مهيب ،بعضها مخصص للشعير ،وبعضها ينتظر بذور القمح ،كأنها صفحات بيضاء ، تتهيأ لكتابة حكاية جديدة ،هناك يبدأ الطقس الأول : قلب الأرض … محراث خشبي بسيط ،لكنه في نظري آنذاك كان آلة سحرية ،يجرها حصانان بخطى ثابتة ، يشقان التراب في هدوء مهيب، كأنهما يعزفان لحنا قديما تعرفه الذاكرة الجماعية للبادية.

كان صوت احتكاك المحراث بالأرض ،يشبه صمتا عميقا ،كأن الأرض تتنفس بعد طول سكون .تتقلب التربة وتفوح منها رائحة الحياة ، رائحة لاتنسى … رائحة تشبه الطفولة نفسها.

وفوق الحقول المحروثة ،كانت اللقالق البيضاء تحلق في جماعات ،تحط تارة وتطير تارة أخرى ،تتبع آثار المحراث ،كانت تضفي على المشهد حياة أخرى ،وكأنها تشاركنا طقس الحرث، أو تحتفل معنا بميلاد موسم جديد .

كنت أراقب ذلك بعين طفل مندهش …أتنقل بين آثار الحوافر ، وأحاول أن أقلد خطوات الحصانين ، وأغرس قدمي في التراب الطري ،شاعرا أنني جزء من هذه الأرض.

جاءت السبعينيات ، ومعها صوت جديد اخترق هدوء الحقول…صوت الجرار.كان حضوره مختلفا ،قويا،يعلن عن زمن يتغير ،رأيت والدي واقفاً يتأمله ،بين دهشة الاكتشاف وحنين خفي إلى وقع حوافر الحصانين ،صار الحديد يشق الأرض بسرعة ، لكن شيئا من الرفق القديم ظل عالقاً في الذاكرة.

ومع ذلك لم تفقد الأرض روحها ،كانت تستجيب ،كما كانت دائما ،لمن يحرثها بحب.ظل والدي سواء بالمحراث الخشبي أو بالجرار يضع في كل خط يرسمه أملا جديدا ،ويزرع مع البذور جزءا من روحه.

اليوم ،كلما هبت نسمة تحمل رائحة التراب المقلوب ،يعود إلي ذلك المشهد …والدي ،المياوم ،الحصانان ،المحراث ،طيور اللقالق البيضاء فوق الحقول ،أدرك حينها أن موسم الحرث لم يكن مجرد بداية لزرع ،بل كان بداية لحكاية حياة ،تتجدد مع كل موسم ،وتروى في صمت الأرض.

Share this content:

  • Related Posts

    ساكنة الفيس بوك بين أموات وأحياء..هريوى عبد الرحيم -خريبكة اليوم-المغرب

    تتنوع العبارات والأقوال التي تصف ساكنة ورواد فيسبوك بين المدح والنقد، وتعكس واقع الحال في هذا العالم الافتراضي الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية.أقوال وحكم واقتباسات وكلمات وجوه غادرت رمال الشاطئ الأزرق ..ولم يبق يظهر لها أي  أثر..فهل هي مرضت فجأة ..وقضي الأمر وأمسى وقتها يمر ببطء ومدجر كساكن من سكان السجن.. أم لم يرقها بحق كل هذا التهافت…

    Read more

    فصل الشتاء في باديتي…للقلم المحلي الأستاذ شنيك سعيد – خريبكة اليوم – المغرب

    فصل الشتاء في باديتي… فصل الشتاء في باديتي لم يكن مجرد فصل عابر ،بل كان امتحانا صامتا تجريه الطبيعة على قلوبنا الصغيرة .لم يكن المطر ماء فقط ،بل كان ذاكرة تسقط من السماء ،و تتشبث بالأرض ،كما كنا نحن نتشبث بالحلم. كنت أخرج إلى المدرسة أربع مرات في اليوم ،كأنني أعبر فصولا كاملة في مسافة قصيرة .الريح كانت كائنا خفيا تلاحقني…

    Read more

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    يا حُبّ ! لا هدفٌ لنا إلاّ الهزيمةَ في حروبك… عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم -المغرب

    يا حُبّ ! لا هدفٌ لنا إلاّ الهزيمةَ في حروبك… عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم -المغرب

    آخر نقطة في نعش السطر..!عبد الرحيم هريوى -خريبݣة اليوم -المغرب

    آخر نقطة في نعش السطر..!عبد الرحيم هريوى -خريبݣة اليوم -المغرب

    صورة من الذباب المسعور..عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم -المغرب

    صورة من الذباب المسعور..عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم -المغرب

    أنا قارئ  فنجان – عبد الرحيم هريوى-خريبكة اليوم-المغرب

    أنا قارئ  فنجان – عبد الرحيم هريوى-خريبكة اليوم-المغرب

    عين قارئ وناقد مغربي على أوراش الكتابة./.عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم-المغرب

    عين قارئ وناقد مغربي على أوراش الكتابة./.عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم-المغرب

    كيف استقبلت الخرفان خبر سعر ألف درهم..؟!؟!عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب

    كيف استقبلت الخرفان خبر سعر ألف درهم..؟!؟!عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب