قصة
الهارب..
حوالي الساعة الخامسة مساء، عاد الأب من عمله بعد يوم شاق ترك بصماته على محياه كما العادة. لكن هذا اليوم كان مختلفا عن سابقيه إثر المفاجأة التي حملها الأب معه وطال انتظارها. كان الأبناء في المنزل ، فالحرارة الجاثمة على البلدة جعلتهم يمكثون داخله ويتحصنون به لما يوفره من ظل لدرء جبروت الحر وقيض الصيف، تتبدد سطوته بشكل أو بٱخر بما تسدله أشجار الزيتون والتين واللوز الباسقة من ظلال، لتوفر أجواء معتدلة للبيت ومحيطه فيلجأ إليها الكل طلبا للرطوبة والنسائم المعتدلة..
دخل الأب وهو يحمل في يديه بعض الأكياس غامقة اللون تحجب طلبات الزوجة التي تمليها عليه عند مغادرته البيت كل صباح، وقد يضيف إليها ما يراه مناسبا لتيسير سبل العيش لأسرته التي يتزايد عدد أفرادها باستمرار..
وهو يسلم الأكياس لزوجته وسط جلبة أحدثها الاولاد، يتسابقون للسلام عليه ويتنازعون بينهم تقبيل يده كما دأبوا على ذلك، يجتهد في مسايرة عنادهم ويرسم على شفتيه ابتسامة ثقيلة جراء التعب والعياء الذي أصبح يجتاح جسده وأطرافه رويدا رويدا، وهو يفني سنوات عمره ويبددها مع تقدمه في السن. لاحت أمام عينيه ومضات ذكريات سالفة، تذكر سنة رجوعه من بلاد المهجر في أواخر الستينات من القرن الماضي ، واضعا نصب عينيه الاستقرار في بلده وطي صفحة الهجرة والبعد عن ذويه بشكل نهائي. كان قد بنى منزله وجهزه ليكون ملاذا دافئا لأسرته المستقبلية، وأن ينعم فيه بمتعة الأبناء والأهل وهو في أحضان الوطن. مرت هذه الصور بسرعة في عقله، جعلته يسهو قليلا عن اللحظة التي هو فيها، حتى انتشلته كلمات زوجته وهي تنهر الأولاد للابتعاد حتى ينعم أبوهم بالاستراحة من التعب ويسترجع أنفاسه، ثم اقتربت منه مشيرة إليه بضرورة تغيير ملابسه وانعاش جسمه بدش بارد قبل أن تقدم له وجبة الغذاء التي صار يتناولها خارج وقتها على الدوام لتأخره في عمله إلى ما بعد الزوال بكثير..
التحق بأبنائه في غرفة العائلة وعلامات الارتياح بادية على محياه. اقتربوا منه ليشبعوا فضولهم في معرفة محتوى الظرف الأصفر الذي في يده، يبدو من حجمه أن بداخله شيء ما يريد أن يبلغهم بفحواه. عم الهدوء والسكون والأعين الصغيرة تركز على الظرف، وتتابع حركات الأب وهو يفتحه بأصابعه بتأن كما لو أنه يخشى عليه من التمزق. بعد دقائق أخرج منه شيئا يشبه دفترا صغيرا أو مذكرة أو كتاب قصص. الكل ينتظر والعيون تتسع لتستقبل الخبر الذي حمله الظرف في جوفه. ثم فجأة صاح الأبناء خاصة الذين يتابعون دراستهم في مدرسة البلدة الإبتدائية، بعدما قرؤوا ماكتب على الغلاف ..الحالة المدنية الحالة المدنية..
ثم قلدهم الصغار بصيغ مختلفة وهم ينطقونها خاطئة بطريقتهم فانطلقت الضحكات و الملاحظات البريئة للأطفال، وزادت حدة الجلبة التي أحدثوها. وضع الأب كناش الحالة المدنية أمام الجميع على الطاولة. أخبرهم بأهمية هذه الوثيقة وضرورة الحفاظ عليها، موجها نظره إلى زوجته موصيا إياها في نفس الوقت بحفظها في مكان ٱمن بعيدا عن أيادي الصغار لكي لا يعبثوا بها. ثم نطق الإبن البكر وهو تلميذ في القسم الخامس الابتدائي، هل لي أن أنظر إليها وأتفحص محتواها ليعرف كل واحد منا صفحته؟ رحب الأب مسرورا بالاقتراح وهو يتابع ردود أفعال أبنائه الذين تسوروا بالطاولة ينظرون بإعجاب وفرح إلى الوثيقة الملقاة أمام أعينهم، وتابع الأب مؤكدا على ضرورة التعامل معها بكياسة وتؤدة. أخذها الابن البكر وبدأ يتصفحها ، يشاركه إخوته المتمدرسون في ذلك وهم يقرؤون بصوت مرتفع إسم كل واحد منهم، ويحددون صفحته حتى أنهوا كل الصفحات، وهم يعلقون على العدد المملوء منها، مذكرين أن ما بقي منها فارغا لا يتعدى أربعة صفحات.. نظر الزوج إلى زوجته مبتسما وهو يحرك حاجبيه مؤكدا ما جاء على لسان الأطفال، ثم سرعان ما مسح الكل بنظرة خاطفة ليعم السكون ويغشى الجميع.
عاد الابن البكر يتصفح الكناش بين يديه كما لو أنه يريد التأكد من شيء ما. ليصيح فجأة أن أخاه الذي يليه في الترتيب العمري غير مدون في الكناش! فزع الأب مما سمع وجلس بحركة سريعة ومد يده للكناش، أخذه وصار ينظر إليه والدهشة بادية على وجهه كما لو أنه يتطلع إلى محتواه. لم يفهم شيئا لأنه لا يعرف القراءة ولا الكتابة، فلم يسبق له أن ولج مدرسة أو كتابا قط. أعاد إبنه قراءة أسماء الأبناء كلهم إلا إسم الابن الثاني لأنه غير مدون! تفحص الأب بنظرة حزينة إبنه الذي صمت وانكمش على نفسه لما علم بالأمر، خاصة بعدما أصدر الٱخرون قهقهات و ملاحظات تصب في نازلة عدم وجود إسم أخيهم في الكناش.. نطق الأب وقد تغيرت ملامحه. لا يمكن. لقد مكنت الكاتب الخاص للشيخ بتسجيل يحمل أسماءكم جميعا ذكورا وإناثا. ماذا حدث؟ أجابته الزوجة بصوت خجول، وهي تداري آثار المفاجأة التي هزت كيانها، ربما نسيها الشخص الذي دون الأسماء وتكلف بنقلها من السجل الذي أعددته إلى هذا الكناش.
لم يتكلم الابن المعني ولم يعقب على الحدث، ولكنه فسح المجال لدموعه لتسيل على خده بغزارة، واهتزاز صدره يعكس الألم الذي يجتاحه. بدأت شهقاته تسمع تدريجيا ليطلق العنان للبكاء بصوت مرتفع. صمت إخوته والتزموا الهدوء، أثارهم منظر أخيهم الحزين ومعاناته، فدخل البعض منهم في بكاء تضامني معه لمساندته في أزمته..
تاه الأبوان واختل تفكيرهما وضاقت بهما السبل. ما العمل كيف الخروج من هذه الأزمة؟ بعد ثوان من الصمت، عدل الأب جلسته ثم أفضى للجميع أنه سيعيد الكناش للإدارة التي تشرف على إصداره من أجل التصحيح وفي أقرب الآجال.
حاولوا تهدئة الإبن الضحية مستعملين كل الوسائل عساه يقتنع ويكف عن تعذيب نفسه جراء خطإ إداري سيصحح قريبا. لكن الطفل وبالرغم من أنه تقبل مبدئيا محاولات والديه، إلا أنه رسم في ذهنه ما تفوه به بعض أخوته عند تفطنهم بغيابه من صفحات الكناش، أنه ليس بأخيهم !! أودعها في خلده وأحاط بها من كل الجوانب وهو يقول في نفسه، أحقا لست إبنهما من أكون إذن ؟ لو كنت فعلا ابن أبي لسجلني في كناش الحالة المدنية كما فعل مع اخوتي ..
استغرق أمر أزمة الكناش اللعين وقتا طويلا نسيت خلالها الأم تهييء وجبة العشاء، غير أن الكل أجمع بطريقة أو بأخرى أنهم ليسوا في حاجة للطعام. تكفيهم معاناة أخيهم والحزن والغم الذان اجتاحا الأسرة، ليخلد الجميع إلى النوم.
لكن صاحب الشأن لم ينم ولم يستطع تجاوز إهمال أبيه له وإغفال تسجيله، أو تذكير من سلمه دفتر الحالة المدنية بالخطأ المرتكب.. ثم يتساءل كيف لأبيه أن يعرف الأمر وهو لا يقرأ؟ نهض من فراشه مبكرا، وغادر المنزل هائما لا يدري أين يلقي بخطواته. ساقته قدماه إلى التل المطل على البلدة. جلس مفترشا الأرض وهو يلقي بنظره إلى أبعد نقطة تصلها عيناه حزينا كئيبا. لم يكن يفكر في الأمر بشكل منظم لكن رأسه الصغير امتلأ باشياء كثيرة. ضحك إخوته استهزاؤهم وملاحظاتهم الطفولية البريئة. وكلام والديه. لكن ما شغله هو هذا السؤال، لماذا أنا بالضبط من سقط إسمي من الكناش اللعين وليس أحد من إخوتي؟ هل فعلا لست ابن أبي؟ ما العمل؟ كظم غيضه وكتم سره حتى لا يغدو مادة للاستهزاء من طرف أقرانه من الجيران وأبناء البلدة. امتنع عن الاختلاط بهم محاولا الابتعاد عنهم قدر الإمكان لكي يتفادي كل أشكال السخرية والتهكم على حاله الغريب.
غير أن ما كان يخشاه حصل، فلم تكد الشمس تبلغ كبد السماء حتى عم الخبر كل بيوت الجيران، وداع بين الناس. لم يتمكن إخوته الصغار من كتمان السر رغم وصية وتعليمات الوالدين، فانكشف الأمر وانتشر الحادث الذي كان حبيس أسوار منزل الأسرة كالنار في الهشيم. أو كما يقال كبقعة الزيت تتمدد مع توالي ساعات النهار..
استمر القيض يحرق البلدة والظل ملاذا لكل الكائنات ، تمكن الخبر من تجاوز حدود البلدة وعلمه القاصي والداني، وأصبح أهم حدث يجري على الألسن. أمام هذا الوضع الكئيب الذي تعيشه الأسرة وخصوصا الابن المعني بأزمة التسجيل في الدفتر العائلي. لم يجد الأب بدا من مراجعة الإدارة التي أخرج منها سجل الحالة المدنية ليستفسرها عن الخطأ الذي سقطت فيه حين ملء الكناش ونسيت تضمينه معلومات إبنه الثاني في الصفحة الخاصة به.
تلاشى حماسه لما اطلع على مسطرة إعادة الأمور إلى نصابها. كان عليه أن يجمع “بينة” من الشهود للإقرار ببنوة إبنه الثاني المعني بأمر التسجيل في الكناش، وتهييء وثائق إدارية خاصة به، وغيرها من الخطوات الإدارية والعملية.. لما علم بالأمر وتأكد من استحالة تنفيذ المسطرة في الوقت الراهن نظرا لتعقدها وكثرة مراحلها، خالجه نوع من التهاون محاولا تأجيل الأمر لأمد لاحق متضرعا بكثرة الانشغال وغياب زمن خاص يتيح له إنهاء المشكل.
توالت الأيام واستكمل فصل الصيف شهر الثاني فاسحا المجال للشهر الموالي الذي تأخذ منه العطلة الدراسية نصفه الأول، لتنطلق الدراسة في متمه كما عوائدها، والإبن المعني بأمر الحالة المدنية يتابع تحركات أبيه ويقيس مدى جديته في حل المشكل وإنهائه حتى يتمكن من مشاهدة إسمه ضمن السجل العائلي كما إخوته، خاصة وأنه في السنة الأخيرة من التعليم الإبتدائي وأنه مقبل على اجتياز امتحان إشهادي يلزمه تهييء ملف خاص به كمترشح له، يتضمن شهادة من السجل المذكور. كان الإبن يعلم ذلك ويتهيأ لما سينتج عن تلكئ أبيه في تصحيح الوضع.
غاب عن مجموعة الأقران الذين كان يشاركهم كل أنواع اللعب كالسباحة في النهر الذي يخترق تراب البلدة، أو مشاركتهم لعب مقابلات كرة القدم وغير ذلك من الهوايات والألعاب المتنوعة التي دأب عليها هو وأقرانه. وبالرغم من تقادم الحديث عن مشكلته ونسيانها من طرف رفاقه، إلا أنه استمر في التفكير فيها، وزادت لديه قيمتها وأهميتها النفسية والاجتماعية، وصار ينظر إلى شخصه كغريب عن الأسرة. يلوذ إلى ركنه في غرفة النوم في سكون دائم، لا يرد على أي كان حدثه أو طلب منه شيئا. لقد قاطع الكل وانزوى يلبس مشكلته ويفكر فيها طول الوقت. وحدها أمه من تعاني في صمت، وتحاول التقرب منه ما أمكن علها تفتح ما انغلق من مكامن نفسيته وصدره الذي لمست ضيقه الشديد. يتواصل معها بعينين حزينتين ذابلتين تظهران مدى حدة الأثر الذي خلفه هذا الخطأ الاداري الجسيم عليه. بينما يمثل الأب مذعنا دور غير المبالي بالأمر، محاولا في كثير من الأحيان تجاوز العلاقة المتوترة والمشحونة التي تجمعهما. يبتسم في وجهه كلما صادفه في طريقه، وينادي عليه باسمه أو يسأله عن أمر قد لا يكون موضوع اهتمامه، فقط ليجد ذريعة التحدث معه ليبدد شيئا ما الكدر والهم الذي يلبسهما منذ تلك الأمسية المشؤومة.
تأكد الأب من أن وقع الأزمة قد نالت منه وبكل قوة وأصبح يتوجس من ٱثارها على نفسيته وعقله، خاصة لما لمس نفور ابنه من التواصل معه كما في السابق. لم يقدم الأب ولم يؤخر في أمر تجاوز الأزمة، فكثرة انشغاله خاصة في هذه الشهور من السنه، أرغمته على تأجيل الإنخراط الجدي في حل المشكل إلى حين.
استمر الإبن في مجاراة أسرته في معيشها اليومي، لا يسأل ولا يستفسر عن قضيته التي بدأ يعتقد أنها ستلقى الإهمال والنسيان. وأن مصيره بدأ يتغلف برداء الخيبة ، وأنه سيصبح مجهول النسب لا محالة، بل قد يتأكد من فرضية عدم انتمائه إلى هذه الأسرة!
ترسخت في ذهنه ما توصل إليه وهو يتابع ردود فعل والديه.بينما تناسى أخوته الأمر وتبدلت اهتماماتهم بقضايا أخرى لا تخرج عن دائرة الممارسات الطفولية.
اصبحت التلة التي تعلو منزل الأسرة ومنازل البلدة الأخرى ملاذه وفضاءه المفضل، يخلو فيها بنفسه ليستجمع عناصر المتاهة التي أدخل فيها قسرا. يبحث في عقله الصغير عن مخرج ينهي به هذا الجدل العقيم الذي أنساه طفولته وانشطته والعناد الذي كان عليه قبل ظهور هذا المشكل.
تمر الأيام والأسابيع وتتراجع حرارة الصيف أمام نسائم أجواء الخريف التي بدأت تغزو البلدة وتنضج الثمار المتنوعة التي تزخر بها بساتينها. نضج التين بأنواعه، وجمعت ثمار اللوز، وصار الأطفال يقطفون العنب من الكروم التي في متناولهم… وقل الاهتمام بالسباحة في النهر لتعويضها بأنشطة ٱنية، وهم يستعدون لاستقبال الموسم الدراسي الذي بدأت تلوح علاماته في الأفق .. لكن الحياة لم تتغير لديه، متوقفة ثابتة تبدل طعمها واختلطت ألوانها فباتت رتيبة ثقيلة يغلب عليها السواد، ولم تتجاوز تلك الأمسية الصيفية اللعينة التي حمل فيها الظرف الأصفر المعلومة المشؤومة. يقلبها بأسى وعذاب. وتؤلمه على الدوام ذكراها، ويأمل أن يجد مخرجا ليداوي جراحه التي تزداد اتساعا وألما…
قبل موعد الدخول المدرسي بأيام، اندس بين الجيران والرفاق والأصحاب وهم مجتمعون في سقيفة دكان البلدة حيث يحلو السمر، يتبادلون أطراف الحديث ويدلي فيه كل بدلوه ، سواء تعلق الأمر بأخبار تهم البلدة أو ما يحدث في بلدات أخرى ، أو استرجاع مغامرات أحدهم، أو سرد قصص من نسج الخيال لتجزية الوقت. في خضم السمر وطيب الحكي، بلغ إلى مسامعه الحديث عن قصة الشاب الذي اختفى من البلدة المجاورة قبل سنوات، بعدما كسر أواني سقي الماء ، ففر خوفا من بطش والده الذي كان يعاقبه على أبسط خطإ، تحوز بمبلغ من المال، ثم فر عبر القطار إلى وجهة مجهولة. لم يتمكن أهله ومعارفه من البلدة من العثور عليه رغم المحاولات الحثيثة التي قاموا بها علهم يحصلون على أي شيء يدلهم على مكان وجوده..
التقط قصة هروب واختفاء الشاب باندهاش وحماس، استجمع جزئياتها وفصولها بتركيز ودقة حتى النهاية. ثم انسل من بين الحضور، وغاب عن الأنظار…
في اليوم الموالي انتشر خبر اختفائه في كل أنحاء البلدة، وعم الحزن أسرته واندهش رفاقه من خطورة الفعل الذي اقترفه. وكيف استطاع أن يقنع نفسه بهذا السلوك الخطير وغير المتوقع. أصبح منزل أسرته مركز اهتمام الجيران والأهل والأصحاب، والكل يسأل ويستفسر عن الأسباب والدوافع التي جعلت طفلا في سن المراهقة يراهن بحياته لملاقاة المجهول وركوب مغامرة مجهولة المعالم والعواقب..
Share this content:





