« هلاوس متقاعد »قصة قصيرة للكاتبة المغربية سلوى إدريسي والي.

قصة قصيرة : هلاوس متقاعد”

قصة قصيرة : هلاوس متقاعد”

رفعت رأسي نحو السماء أراقب، ما تبقى من أمنيات. مقلتاي متعبتان، كأن بعض النعاس بدأ يتسلل إليهما.
في حضرة ذاك الصمت، نزلت عبرات ساخنة، ولا أحد هنا ليمد يده نحوي بمنديل، أو ربما بطبطبة على كتفي، فأجهش بالبكاء المنحسر داخل صدري. السماء أيضا أقفلت أبوابها في وجهي، ولم تعد تعبأ بوجوه المنكسرين …

بدأت مكبرات الصوت تصدح بأذان العشاء، مساجد كثيرة تؤذن في وقت واحد، كأنها أهازيج تنبعث من أعالي الجبال، يردّد صداها الكون كله. كان شعورا خرافيا، لا يمكن إدراكه إلا وأنت تحت الصفر…
حاولت الانضمام إلى المصلين، لكن ماذا أقول وأنا ساجد؟ “اللعنة! لقد خسرت كل شيء”. كيف لي أن أضم يديّ الملطختين بدمائها الزكية، وأدعو لنفسي بالخلاص من هذا الرأس الذي يتذكر كل شيء ؟

كيف سأخفي عنك، يا إلهي، أنني قتلتها بدماء باردة؟ كانت صغيرة بحجم كفّي، لكنها أفسدت ثيابي، وقضمت ملابسي الرسمية. لم تترك لي خيارا آخر … أمسكتها بيدي وبدأت أضغط عليها كالعجين، إلى أن انصهرت أحشاؤها من بين أصابعي ، بدأت أصرخ وأعصر…أصرخ وأعصر…إلى أن طحنتها كلياً.

ما آلمني أكثر هو أنني لم أتذكر لحظتها أنني متقاعد، والملابس الرسمية لن تنفعني في شيء، ولا أحد يزورني وأنا أسكن في هذه “السطح” الخرب …
يا ويلي! ماذا فعلت بتلك المسكينة؟ كانت تؤنسني بصوت خشخشاتها وهي تحاول المرور من كيس إلى كيس. كنت أراها وهي تقترب مني ليلاً، وتندسّ تحت اللحاف…لماذا قتلتها ؟! أنا مجرم ! أنا سفّاح !

إنهم قادمون…أسمع خطواتهم وهم يصعدون الدرج. صاحب الوزرة البيضاء سيدخل أولاً، ثم سيتبعه صديقاه السمينان، هل أخبرهم بأنني قتلتها ؟!

أنتظر، أرجوك ! سأخبرك كيف حدث الأمر؛ لا تربطوني بتلك الأحزمة اللعينة، أنتم من أغلقتم أبواب السماء ! أعلم ذلك …

أنتم تسكنون السماء ؟! تعلمون كل شيء …لحافي ! أحضروا لحافي!

سلوى ادريسي والي

سلوى ادريسي والي

Share this content:

  • Related Posts

    سرد حكائي للراوي من لحظات تذكر..عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب

    صوت الخيال يجرالكاتب جرا بعيدا وعميقا حين يقلب صفحات مطوية من الذاكرة عبر خيال حمدان وتفكيره العميق.. هام الكاتب في فتح بعض صفحات من ذاكرة ردمت فيها ذكريات من حياة ماضية بعيدة جدا و أمست في أغوار و أعماق وزوايا الكيان والوجدان الشخصي…  تذكرحمدان أشياء كثيرة جالت في خاطره وعادت كأطياف من صور مشبعة برمزية من أتربة المكان ..لا شيء قد يعادل…

    Read more

    في جديدنا اليوم؛مع نص قصيرة،للكاتب المغربي عبد السلام كشتير تحت عنوان:”شمتة…”

    في طريقهما إلى الفضاء التجاري العصري القريب من منزلهما، قطع طريقهما رجل في عقده الرابع يطلب صدقة،  تجد كلمات الدعوات التي يلقيها على مسامع الزوجين صعوبة في الانفلات من شدقيه وهو يستجديهما  من أجل صدقة. نظر الزوج إلى المتسول فلاحظ سطوة الإعاقة على نصف جسمه، فم أعوج ولسان ينفلت من فمه، رأس مائل نحو اليمين ويده اليمنى تهتز وهي تمسك عكازه،…

    Read more

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    أفكار وتأملات-عبر تدوينة عابرة-الشعر يولد من رحم زمانه-ما قيل عن الشعر والشعراء -عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم-المغرب

    أفكار وتأملات-عبر تدوينة عابرة-الشعر يولد من رحم زمانه-ما قيل عن الشعر والشعراء -عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم-المغرب

    -جمعيةالشعلة للتربيةوالثقافة-واحتفالا باليوم العالمي للمسرح واليوم العالمي للشعر،تقام أمسيةرمضانية بدار الشباب بشارع الزلاقة يوم الخميس 12 مارس 2026

    -جمعيةالشعلة للتربيةوالثقافة-واحتفالا باليوم العالمي للمسرح واليوم العالمي للشعر،تقام أمسيةرمضانية بدار الشباب بشارع الزلاقة يوم الخميس 12 مارس 2026

    نص نثري جديد للشاعرة المغربية زهرة أحمد بولحية تحت عنوان”رقيم صبوة”

    نص نثري جديد للشاعرة المغربية زهرة أحمد بولحية تحت عنوان”رقيم صبوة”

    قمريؤلمه الجفاء .. في نص نثري يصدح الشاعر المغربي أحمد نفاع

    قمريؤلمه الجفاء .. في نص نثري يصدح الشاعر المغربي أحمد نفاع

    القراءة النقدية للنص الشعري – المنثور”أنا إنسان من الدرجة الرابعة…إن شئتم…!؟!”للشاعرة تورية لغريب -عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم -المغرب

    القراءة النقدية للنص الشعري – المنثور”أنا إنسان من الدرجة الرابعة…إن شئتم…!؟!”للشاعرة تورية لغريب -عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم -المغرب

    سرد حكائي للراوي من لحظات تذكر..عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب

    سرد حكائي للراوي من لحظات تذكر..عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب