صوت الشعر وجماليته في التعبير عن حالة الآخر– صلاح بوسريف في قصائد: “أوَّلُ الصَّدَى”، “بِكَ مِنْ دُونِكَ”، “قَبْلَ الطَّعْنَةِ بَعْدَهَا”، “هَا أَنْتَ تَرَانِي”نعيم عبد مهلهل

((قَابعٌ أَنْتَ فِي رُكْنِكَ كَخُلْدٍ دَاهَمَهُ الطَّمْيُ،
لَا حِيلَةَ كَفَتْكَ لِتَخْرُجَ مِنْ نَعْشِكَ إِلَى طَيْشِكَ
الَّذِي بِهِ كُنْتَ تُسَدِّدُ سِهَامَكَ
صَوْبَ النَّوَارِسِ مَتَى أَصَابَتْ مِنْ مَائِكَ طُعْمَهُ،
وَبَقِيتَ عَالِقًا فِي قَصَبَتِكَ،
كَأَنَّكَ أَنْتَ الطُّعْمُ))
صلاح بوسريف ــ قصيدة “بِكَ مِنْ دُونِكَ”.
((أبدًا تحنُّ إليكمُ الأرواحُ
ووصالُكم ريحانُها والرَّاحُ
وقلوبُ أهلِ ودادكم تشتاقكم
وإلى لذيذِ لقائكم ترتاحُ))
شهاب الدين السهروردي
8
ـــ ما ينطق في الذات ذاتُك والحياة، وما ينطق في الفلاة صوتُ الرمل وسهامُ الرماة ـــ
عند صلاح بوسريف تجد الشعر يجلس على أريكة النشيد الهادئ المتجه فجأة إلى قلق النفس في قراءة حال الآخر ومصير لحظته. وأقصد أنا في هذا الكتاب فقط “لا أحدَ سوايْ” وهو حين أقرأه هنا مختلفٌ جدًّا عندما أقرأه هناك. فهنا حديثه في نجواه هو عن آخر يطل من خلاله، ويرتدي عباءة آخر يتشفَّع إليه ويعبِّر عنه بما يعتقده أن ما في صلاح هو ما في الآخر: البوح والفلسفة وصنع جمال العبارة في التشفُّع والتهدُّج والمناداة والألم.
لهذا مع متعة قراءة صلاح بوسريف، وعند الوارد الثالث وقبل مغادرته إلى الوارد الرابع، انتقيت أربع قصائد: “أوَّلُ الصَّدَى”، “بِكَ مِنْ دُونِكَ”، “قَبْلَ الطَّعْنَةِ بَعْدَهَا”و “هَا أَنْتَ تَرَانِي”. وهنَّ لا يختلفن في منحى الود المقروء بعبارة الفلسفة والتأمُّل والذهاب إليه كما في قصد الديوان ومعناه وبنيته، ولكن الجديد في معنى الكتاب وروحه هو الجديد في كل قصيدة فيه.
والجديد هنا في تبحُّر حواسنا بدهشة ما في الكتب من عوالم تبثُّ روحانياتها عبر الحديث المتبادل بين عصر مايكروسوفت وعصر المتصوفة. وبين وقت التكايا ووقت المقهى على ساحل المحمدية يسجِّل الشاعر مواقيت البهجة والألم وتأمُّل ما يشعر أنه يراه في أفق الزمن ويكتب إليه. وإن اختلف المكان فالهاجس واحد، ومن كانوا بالأمس اليوم هم سدنةٌ لمعابد أحلامنا في الوصول إلى ما وصلوا إليه، ولم تكن في عصرهم إيرباص ولا مركبات فضاء ولا سيارات فيراري.
إنه يحسن إيجاد المكان إلى لحظته الشعرية ويمد معه خيط الوصل، من خلالها يكلِّمه بمعرفة روحانية وصداقة ويُشهر بالبهجة معه، صديقًا وملهمًا وصانع سعادة جمالية الموهبة حين تطوِّر ثقافتها بصنع مبتكر الزمان والمكان والذهاب إليه لنريه إحساسنا صوبه ومدى تأثيره فينا، ونتداول أحوالنا معه ونعرِّف الآخرين به ونعيش معهم في مكانه ونعرف جديده وحاجته، ونشرب صدى صوته لنشعر أنه فينا ونحن فيه. فنشعر أنه كبير ويحلِّق في أجواء ذات طائرًا تجنح روحه إلى فضاء لا ينتهي. إنه صقر العفة بجناحين ريشهما الكلمات التي تتعامل مع المطلق البهي وليس مع الأشياء الصغيرة والمهملة:
((حَلَّقَ النَّسْرُ بَعِيدًا،
فِيمَا الحَدَأَةُ
كَانَتْ تَرَى فِي جَنَاحَيْهِ
ظِلًّا
لِخَبِيئَتِهَا))
قصيدة “أوَّلُ الصَّدَى”
مع صلاح بوسريف جمالية القصيدة تبدأ من مكان في تكية الروح. وهو في كل كتابه يحدِّث صباحه ويسأل عن أحواله ويصفه لنا بالمقارنة أو بدونها. وعليه أسعى في البحث عن جماليات النص في شعرية صلاح بوسريف ودهشة مكان التخيُّل عنده أن أجد له مقارنًا مع واحد من صنَّاع دهشة الجمال.
يقول غاستون باشلار: إن الأمكنة تخلق سحر القصيدة بحسيَّتها، وربما مكان سقوط الدمعة أجمل مثال لذلك.
يمضي هاجس باشلار إلى الدمعة فأشعر في مرات أن بوسريف يبكي في محبة معلمه، ومعها يمضي هاجسه إلى الشعر ليكون جمال المناشدة والتعبير عن الحالة ممتلئًا بشحنة كبيرة من الموسيقى والبلاغة وحسن التعبير الشعري.
فالشعر الذي يُحيلنا إلى متعة الروح قبل متعة فهم كلام المغزى. إنه معنيٌّ بأن تكتشف، ومعنيٌّ أن تعيد بناء بيت الذاكرة، ومعنيٌّ أن يقود خطاك صوب الأفق الأوسع من أجنحة ضوء العتمة التي تريد بها أن تصنع من تخيُّل الإغماض ما تود أن تمتلكه: الوطن، الوردة، المرأة، لحظة صفاء البال، وسياحة الميتافيزيقا. وكل تلك الرؤى هي في بعض مواصفات علاقة الشاعر بدهاة الصوفية ومنهم التبريزي وجلال الدين الرومي.
فهو أي الشعر رؤيا لما قد نراه في أطياف الكلام فقط، وعدا ذلك فإنه يبث رؤيته بالشجن والإدراك والوقيعة ليلازمنا ظلًّا يبدأ في لحظة طفولتنا المستعادة وينتهي بنا إلى إغماضه الأبد الأخير.
وسط هذه الرؤى يصبح إنتاج النص، كتاب بوسريف، من روح المكان وتكيته الممكن الأول في جعل الخيال الطافح كائنًا على ورقة، يمتلك المشاعر والمشاهدة والبوح والمعنى. وبتلك الأشياء يبدأ الشاعر صنع كائناته وتسويقها لمن يدرك أنهم معه في الفهم وفك شفرة المشاعر والتضامن. فمن دون آخر، لا يمكننا أن نصنع إحساسنا بجمال. دون أمكنة نرتديها قمصانًا لصباحات نستقبلها بقراءة مفترضة ومتخيَّلة لا نقدر أن نكمل يومنا إلى آخر نبدأ منه من جديد.
الأمكنة الشعرية “تكيات الروح أنموذجًا” هي لحظة أرضية يدركها الشعر حين تفترض لحظة ما، أن عليك أن تبتعد عن بساطة وجودك، ليأتي التخيُّل منقادًا بما تحس أو ترى. وكلها بإسقاطاتها المتعددة تخلق هاجس الكلام وفكرته: غرفة، موسيقى، حرب، منفى، حب خاسر، طائر في قفص، انفصام شخصية، بوح طافح بكل شيء، رؤيا متصوفة، سُكر، خيانة، نجوى. كلها تستقر في مربع ضوئي في مرآة المخيلة لتطلق بعد ذلك فراشات الضوء إلى حديقة الورقة أو شاشة الحاسوب، ليكون جماعًا. وهذا الجماع ينتج، وليبدأ مشوار أزمنته بين الذكورة والأنوثة. والغريب أنه يبدأ بحجم دمعة ولينتهي بحجم جبال الهملايا، ربما أكثر، إذا قُدِّر للقصيدة أن تذهب من مكانها إلى درب التبانة.
إذن المكان خطوة النص إلى الطريق الذي يريد أن يسلكه والمكان الذي يتمنى أن ينتهي إليه، كما تنتهي خطوة الجندي بعد مفارقته صخب الحرب.
أشعر أن المقارن بين باشلار وبوسريف هو عودة إلى نص قديم لي عن الشعر حين يُكتب بموازاة خيال الصوفيين، وقد جاء وقته الآن لأشعر أنه كُتب لإحداث روح التطابق الجمالي بين إحساس باشلار وصديقي الشاعر صلاح بوسريف.
وهكذا تستمر العلاقة صورة لكون وطبيعة ومطلق وفلسفة تفتح أذرعها لفضاء لا يتنازع الشوق فيه إلا من خلال منطق الحكمة والمشاهدة والتمنِّي. وربما هو في نصه “بِكَ مِنْ دُونِكَ” يفعل هذا ويتقن تمامًا قراءة عالمه الطبيعي الذي ينتمي إلى السماء والطير وأمنيات الصوفي بالحصول على خبزه من الغيب ومنادمة ما على الشجرة من طير وثمر:
((زَرَازِيرُكَ غَادَرَتِ الشَّجَرَةَ
لَا تِينَ فِي الشَّجَرَةِ
مِنْ أَيْنَ سَيَأْتِيكَ طَعَامُكَ،
أَنْتَ مَنْ خِلْتَ أَنَّ خُبْزَكَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ،
وَأَنَّ السَّمَاءَ شَجَرُهَا
لَا يَجِفُّ.
فَمَنْ أَلْقَى بِأَحْجَارِهِ صَوْبَ زَرَازِيرِكَ،
لِتَصِيرَ غَيْمَتُكَ خَبْطَ أَجْنِحَةٍ،
فِي رِيحٍ جَانِحَةٍ!؟))
قصيدة “بِكَ مِنْ دُونِكَ”
في قصيدة “قَبْلَ الطَّعْنَةِ بَعْدَهَا” تأتي صورة أشبه بما تكون سردية الرغبة في الوصول إلى ظلاله عبر مقدمة شعرية مضاءة تقول:
((إِذَا هَمَمْتَ أَنْ تَسْلُكَ طَرِيقًا وَيَدُكَ لَا تَسْتَقِرُّ عَلَى حَالٍ،
كَمَا لَوْ أَنَّ الرُّعَاشَ ذَابَ فِي دَمِهَا:
ــ لَا تَبْتَئِسْ فَفِي بُؤْسِكَ يَأْسِي،
وَكِلَاهُمَا فِي النَّفْسِ يُمْعِنُ،
كَمَا تُتْخِنُ فِي اللَّحْمِ السِّكِّينُ.))
قصيدة “قَبْلَ الطَّعْنَةِ بَعْدَهَا”
مع هذا النص لا أعرف لماذا سكنني الهوس بشعرية الحَكي بطقوسه الصوفية، والذي يتقنه صلاح بوسريف في جمل حكيمة تستطيع أن تبدأ رحلتها فيها كما تبدأ الرحلات الأسطورية التي يقودها الإنسان إلى مصائره التي رآها بقلبه ولا يراها في أحجار المنجمين. إنها تُمعن في النفس وقدرتها على إنتاج الهاجس الجميل الممتلئ بالمشاعر الإنسانية والروحية والكونية في خضم ما يتحدث فيه الشاعر وأغلبه مناجاة وتواصل ورؤى.
حتى إنني أشعر أن النص الذي يفتنني في هكذا شعر مثلًا يقودني إلى تخيُّل العالم المنظور في هاجس وشيء ما يسكن قلب الشاعر ليرويه بإيقاعه، ليتحول الموزون لديه إلى حكاية العالم الذي يراه بطريقة المغشي عليه. ولكنه هنا كقصيدة تذهب مشيًا على أجفانها لتصل تكية الشاعر، يؤسس لحدث الحكاية معه وليس لقصيدة يُطرب فيها سامعيه.
وعليَّ الآن جعل قصيدة “أناباز” لسان جون بيرس أنموذجًا لشعرية الروي في قلب أحدهم عن هاجس الهيام بالشيء الذي نسعى لننال بركته. ودائمًا يُطلق على “أناباز” ملحمة وليس قصيدة لأنها واحدة من روايات الحكاية الإنسانية في موقفها الصعب والحرج، ولكن هذه الرواية كُتبت بشعرية فائقة التصوير والدهشة والبلاغة والغموض والحكمة.
أقرأ نص صلاح بوسريف وأعيش نشوى تداخل الإلهام بين رحلة الشاعر الروحية وما كتب بيرس قصيدته تحت تأثير القصة الإغريقية المؤسطرة في الرؤية البطولية والحكيمة للقائد الإغريقي “الأكزينوفون” في حملته العسكرية المسماة “حملة العشرة آلاف جندي”. وراح يسرد الحكاية بالشكل السمفوني العالي المفردة والإيقاع، جامعًا قدرة الوصف والحديث عن المشاعر والمصائر بصيغة الإنشاد المروي، وكأنه يجر في حكايته وقائع ما فاتنا ليحذرنا مما سيكون. إنه كما عند ديستوفسكي الروح الشعرية القلقة مما تعيشه وتراه وتحسه وتقوده ليكون مجرمًا أو تائهًا أو مرتعشًا مما فيه من انطواء وطموح وشهوة.
فيحتفي الليل ببهجة غامضة عندما تكون السماء صافية والنجوم تتزاحم بشهوة ضيائها على صدور غافية على أسرَّة أحلامها. القرى ساكنة، والكلاب لا تحرِّك أجفانها، وحقول القمح تدفع بخاصرة السنبلة إلى ميلان خفيف تشد لهفته مناجل الصباح القادم بأماني موت الجوع في البطون لتمتلك نشوى رغيف الخبز قبل أن ينتهي فصل قبلات بين عاشقين ثم تتشارك الأفواه في قضمه.
خبز وقبلات وليل دهشة لمنظر هادئ في ليل من ليالي الصيف، هناك في المكان الذي ينأى عن صخب العالم وعوادم السيارات وابتسامات مضيفات الطيران الباهتة. وفي النهاية لا تتشابه “أناباز” مع رحلات بوسريف بالرغم من أن قصيدة بيرس وقصيدة بوسريف، أو لنقل كل قصائد كتابه، تذهب إلى نزهات روحية مقترنة بحكمة البحث عن شيء مفقود نريد أن نلمسه. بيرس في لذة الوصول، وبوسريف في لذة إرضاء معلمه ونيل البركة منه والرضا.
ولحظة الوصول هي من تصنع طقوس الاحتفاء وتمنحنا طاقة أخرى لنكمل مسيرتنا إلى مدن الوضوح والتكايا. ونشيد قصيدة “هَا أَنْتَ تَرَانِي” يوصلنا إلى فهم اللذة عند الشاعر بوسريف في دعاء واتحاد مكونات الطبيعة الأصلية: الماء والطين. تلك المتعة التي بحث عنها سان جون بيرس ووجدها متسيرة في حكمة ما يمتلكه الشاعر بوسريف، وقالها بصوت عال لتصل إلى مسامع التبريزي والحشد الهائل من متصوفة الأرض:
((الجُرْفُ الَّذِي أَنْتَ فِي أَعْلَى قِمَّةِ انْهِيارِهِ،
تَمَسَّكْ بِأَغْصَانِهِ البَاقِيَةِ فِي يَدِكَ،
عَلَّهَا تَكُونُ أَجْدَى فِي حَمْلِكَ إِلَى أَسْفَلِ
مَا فِي القِمَّةِ مِنْ طِينٍ وَمَاءٍ.
أَنْتَ حَتْمًا عَائِدٌ إِلَى طِينِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْفُخَ
اللهُ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ.
رُوحُ اللهِ
مَا خَبَتْ فِي جَمْرِكَ،
فَاتَّقِدْ
حَتَّى لَا تَخْبُو فِي رَمَادِكَ.))
قصيدة “هَا أَنْتَ تَرَانِي”
فوبرتال 8 أبريل 2026

Share this content:






