قراءة أدبية وفنية للنص القصصي القيامة بعد العصر. نورالدين بنصالح الزرفاوي.عبد الرحيم هريوى.جماعة المفاسيس – خريبكة اليوم – المغرب

01// الكاتب حين نبحث عنه..إنه  يتواجد خارج سرده..

 والراوي سوى عنصر من العناصر المساهمة في باقي أدوار النص ..

  إنه سرد أدبي وفني؛ فيه بصمة من الإبداع والخلق والتحديث الأدبي في مجال الكتابة القصصية الحديثة ،أي أنه ممتع في شكله النسقي المتكامل،كوحدة في عناصره الأساسية ، وقدخلقت نوعا من التوازن الفني المطلوب في الكتابة القصصية لدى السارد ،ولعل الأدوار التي تقاسمتها تلك العناصر بشكل متكافئ،جعل من نصه المذكور صورة حية تكلمت لغة ( بادية المفاسيس بإقليم خريبكة..! ) في ذلك الزمان لما كانت الأرض تزهر و الحقول تخضر، فأعادنا الراوي لسالف الأزمان،وذلك للحظات جميلة وممتعة ورائعة، وفيها ما مر من أجمل العمر ،إذ ظلت مسجونة في ذاكرة طفولتنا،واليوم عبر نص أدبي عابر تعود حية وكانها مرت سوى بالأمس، عبر فلاش باك.لما تعاد صياغتها من طرف قاص أو أديب، يكون قد عاشها هو بالفعل،والكاتب نور الدين بن صالح الزرفاوي، هو ٱبن الدار وكل ما يقصه بالفعل لا يغادر فضاء جمعنا : 

كالمكرط والكدية والروضة ومرغزان والسهب والدشر والصمطا ولعرارم وماليات العين وأولاد أعمر والواد لحمر وسيدي حد لعلام ولكرطاية ..!!

 نص قصصي قرأته اليوم، وأثارني بل استفزني بأسلوبه البلاغي ،والدقة في نسج حكايته ،والمتعة في ذوقه الفني العميق، لأن فيه أشياء كثيرة أراها كقارئ، قد تحركت بل حركها الراوي عينه، كي تمثل أدوارها المتميزة في الزمان والمكان المحددين، وساهمت بالفعل في خلق لنا ذاك النص الحي والمتحرك..أي في شخوصه حركية ما..وقد تكلمت فيه عناصر أخرى كثيرة..وبالأخص الطبيعة وربيعها الجميل..كما ساهم هذا النص في أنسنة سلوك الراوي عينه، من خلال الرفق والرحمة لديه بالحيوان المتجسدفيما قدمه للكلب من خبز،وتمنى  لو يعطيه المزيد من الخبز لو وجد عنده لحظتها ،وبدون إغفاله لعنصر المفاجئة،وخلقه نوعا من الدهشة لدى القارئ في لقاء غير منتظر مع واقعة الراعي وٱبنه من مشاحنة لا تخلو من نكهة بدوية قحة ..

  وكذلك لم ينس أن يشير للقارئ ، وبطريقة فنية على تعلق الراوي بالقصيدة الشعرية العربية من خلال ٱقتباسه لأبيات من قصيدة مهجرية للشاعر اللبناني” إليا أبو الماضي “وهي لحظة مهمة حينما تطاير ماتبقى من أوراق الشعر التي حملتها الرياح بعيدا عن محفظته المدرسية ..!

فكل عناصره المنتقاة شاركته سرده القصصي المتميز،وكان للغة الأدبية سطوتهاوهيمنتها من خلال الأسلوب البلاغي في الأسلوب المجازي والاستعارة والتشبيه ..!

كما كان للجملة السردية وظيفتها في النص القصصي القصير “القيامة بعد العصر” تواجدها البين والواضح،وليس بعزيز على كاتب عايش الكتابة السردية في القصة كما في الرواية.. !

 – 02 // النص القصصي المقروء :

القيامة بعد العصر// نورالدين بنصالح زرفاوي 

البارحة، بعيد العصر بقليل، فقدت أعزَّ رفيق وخير مؤنس.. وكنتُ أنا قاب قوسين أو أدنى من حتفي..

والآن.. ها أنذا الآن أقف في نفس المكان، محزونا، مهموما..  بل مهزوما أمام سطوة جهل وظلم بني البشر.. ألملم جراحي.. أكفكف دموعي..قبالتي، الشمس تطلُّ حزينة مبتئسة من بين سحاب داكن.. ومن خلال غشاوة دموعي أتأمل ورقة يتيمة، أو قل ما تبقى من ورقة يتيمة، تجري بها الريح عند قدمي.. ألتقطها..أقرأ إيليا أبو ماضي: 

 وارفقْ بأبناء الغباء كأّنّهم مرضى، فإنَّ الجهلَ شيءٌ كالعَمى

 البارحة،داخل الفصل، القيامة قائمة والحساب على أشدّه..وعندما غادرت بوابة المدرسة،كتابي بيميني والمحفظة إلى ظهري ميمّما شطر بيتنا،استقبلتني المروج المزركشة بشتى الألوان تنثر حواليَّ طيب أريجها..وحقول القمح والشعير المترامية وقد انحنت سنابلها المتمايلة،وكأنها لي تنحني..الجو صحو،والشمس تغمر الكون الفسيح الخالد إلى الهدوء والسكينة بأشعتها الدافئة..كنت أسير مرحا معتدّا بنفسي..نسمات من ريح خفيفة تعبث بخصلات شعري.. أرهف السمع إلى زقزقة العصافير تصدح مغردة في الحقول، وثغاء شاة أو خوار بقرة يتعالى بين الفينة والأخرى من المراعي.. جرو صغير، على قارعة الطريق مادٌّ ذراعيه بالوصيد من الجوع هزيل، استرعى انتباهي.. رقَّ له قلبي.. أودعت الكتاب محفظتي المهترئة، ثم أخرجت منها ما تبقى لديَّ من وجبة غذائي.. كسرة خبز شعير.. رميته بها، وراقبته في غبطة وسرور يلتهمها بشراهة.. تمنَّيت لو كان معي الكثير من الخبز، فأناوله إياه.. تابعت طريقي، وقد عقدت عزمي على أن آتيه غدا بكل خبز أمّي.. وعندما التفتُّ خلفي، كان المسكين لا يزال يتعقب خطايَ طمعا في أن أناوله المزيد.. اعترض سبيلي ابن راع في مثل سني، وقد تأبّط شرّاً.. كان ووالده يرعيان شويهاتهما العجفاء غير بعيد.. بادرني بفظاظة:

    –  هذا جروي!.. لقد سرقت جروي!..

لم يترك لي فرصة لأبرئ نفسي.. فاجأني بلكمة على خدّي.. كدت أفقد توازني.. قهقه أبوه في خبث فرحا كالشيطان.. ثارت ثائرتي.. انحنيت والتقطت من الأرض حجرا أدافع به عن كرامتي.. رميته به بكل ما بدراعي من قوة، وبكل ما بقلبي من كراهية.. أصبته في مفصل ركبته، فعوى ككلب جريح ثم انهار أرضا فاقدا كل قدرة على الحركة..  انتفض أبوه من قعدته.. طارت طاقيته، فلمعت صلعة رأسه.. هرول نحوي يتعثر في جلبابه، يتوعدني بأشدّ العذاب:

    –  الموت لك!.. لقد قتلت ابني!..

مذعورا، أطلقت ساقيَّ للريح ناجيا بروحي.. تلقَّفني.. الطريق أمامي مستقيم.. حادٌّ وطويل كالصراط.. أتعثر.. أكاد أسقط، فيسقط صندلي من رجلي.. شيء ما سقط أيضا من محفظتي.. لاهثا لا يزال يركض في أثري.. وعندما عجز عن اللحاق بي، دوى صفير حجر حذو أذني فارتطم بالأرض أمامي.. توقفت والقيء يعاودني من شدة رعبي.. قلبي يخفق بعنف يكاد يتوقف.. وعندما استعدت أنفاسي، التفتُّ خلفي.. رأيت الشيطان ينحني ليلتقط ذاك الشيء الذي سقط من محفظتي.. ثم رأيت صفحات كتابي تتطاير بعشوائية في الهواء ومعها كل ما عشقت من أشعار.. لتجري بها الريح أخيرا في كل مكان..!!

23 يونيو 2022

Share this content:

  • Related Posts

    المطبخ الأدبي يجمعنا،بكم وبكن..!عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم-المغرب

    الصداقة التي تدوم هي التي عادة ما تجمعنا في فضاء المطبخ الأدبي الأنيق والجميل. وذاك من أجل تهييء وجبات شهية في أغراضه المتنوعة من شعر و نثر وقصة ورواية ونقد وبتوابل من الثقافة العامة التي جمعناها عبرعمر من قراءة كتب عبر السنين. وعبر لغة رضعنا حليبها من ثدي تراثنا القديم. ومن ذاكرة زمانية ومكانية جمعتنا بوجوه ورفقة طيبة أحببناها بصدق من…

    Read more

    نص قصير :”تصوير بطل القصة في مشهده الأخير..”عبد الرحيم هريوى- خريبݣة اليوم-المغرب

    اليوم بمقهى 360 بخريبݣة عبر لحظات من التأمل وجودي في وقت من الأوقات يخرج المرء من بيته لا يلوي على شيء سوى الهروب من ضجر يحمله، وضغط وهمي يعيشه .فلا يعرف أهو من السماء آت ..أم من نمط عيش رتيب لم يألفه البثة… وهو حين يهرب هروب من يطارده السؤال الوجودي العصي على تفكيك صوره التي يتداخل فيها أكثر من عنصر في…

    Read more

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    سِحْرُ آلَةِ لَوْتَارْ.. تِلْكَ لُغَةُ اَلْأَطْلَسِ اَلشَّامِخِ..عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم – المغرب

    سِحْرُ آلَةِ لَوْتَارْ.. تِلْكَ لُغَةُ اَلْأَطْلَسِ اَلشَّامِخِ..عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم – المغرب

    هندام السياسي ولغة الخبر…عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم-المغرب

    هندام السياسي ولغة الخبر…عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم-المغرب

    المطبخ الأدبي يجمعنا،بكم وبكن..!عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم-المغرب

    المطبخ الأدبي يجمعنا،بكم وبكن..!عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم-المغرب

    نص قصير :”تصوير بطل القصة في مشهده الأخير..”عبد الرحيم هريوى- خريبݣة اليوم-المغرب

    نص قصير :”تصوير بطل القصة في مشهده الأخير..”عبد الرحيم هريوى- خريبݣة اليوم-المغرب

    اللغة العربية اليوم في إضراب عن الطعام..عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب

    اللغة العربية اليوم في إضراب عن الطعام..عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب

     “حسناء”..!!نص قصير جد ممتع للمهندس والروائي هيمنغاوي المفاسيس نور الدين الزرفاوي- خريبكة اليوم – المغرب

     “حسناء”..!!نص قصير جد ممتع للمهندس والروائي هيمنغاوي المفاسيس نور الدين الزرفاوي- خريبكة اليوم  – المغرب