
فيزياء الروح..!!
مصاب بك حد ما وراء المعنى،
تهمسين: أحبك ..
فأغادر جسدي كما تغادر الأرواح احتمالات الخلود،
أتجرد من جلدي كفكرة ضاقت بثوب الحروف،
وأدخلك كما يدخل العارف صمته الأخير.
تهمسين: -أحتاجك-،
فأغدو ضبابا،
مجرة شاردة في مدار عينيك،
ونبضا يتصاعد من شهقة قلبك نحو اللغة الأولى.
يا بدء يقيني في خرائط الشك،
ويا رجفة اللغة على شفا الأبجدية،
يا تجلي المعنى حين تغيب المعاجم،
يا ارتباك النطق في القبلة الأولى…
أعترف:
أنا مصاب بك حد اختلال قوانين الكون،
انكسار المنطق،
فقدان البوصلة في يمّك السحيق،
حواسي تسقط فيك
كما تسقط الشهب من فضاء الهذيان،
فلا خارطة تأخذني إليك،
ولا نبوءة تنقذني من غوايتك الصريحة.
أنت اختلالي الجميل،
ضياعي المترف في ليل المجاز،
كأنك فيزياء الروح،
تنسفين الجاذبية بهمسة،
وتسقطين أعمدة عقلي بنداء خافت من شفتيك.
أعترف:
أنا مملكة بلا تاج، بلا رعايا،
وأنك الملك والمعبد والمحراب،
كل أقداري تنقاد إليك،
كأنك قبلة لا يهتدي إليها إلا العاشق التائه
في ديانة الجنون.
أنا أرض بلا قانون،
وحكمك في مطلق الفوضى شرع لا يرد،
يا نبية الغواية في زمن التجريد.
أهرب من المدن التي لا تشبهك،
من القصائد التي لا تتهجى اسمك،
من الشعراء الذين يبيعون الوهم في أسواق العكاظ،
ومن الحروف التي لا تمشي حافية على جسدك.
أهرب من القصيدة حين تصير تجارة،
من اللغة حين تصبح قيدا،
من الشعر حين ينسج بالرتابة،
من التاريخ حين يعاد كجنازة على شاشة الندم،
كجسد مسجى على قارعة الألم.
أهرب كما تهرب المجرات من انفجارها الأول،
وأنتظرك بداية جديدة،
كنبض آدم حين خُلقت حواء من ضلع حلمه.
أهرب إليك…
كمن يفر من صوته ليحيا في صدى شفتيك،
أبحث عنك في الفوضى،
في صمت الفضاء،
في ذُرات الغبار النيزكي،
وكلما اقتربت،
أُصاب بك أكثر،
أذوب فيك أكثر،
أتناثر على عتبة حضورك كنيزك
يتفجر بين لحظة وذكرى.
فماذا لو أعلنت احتلالك الكامل لي؟
ماذا لو تمردنا على واقع عقيم،
وأسّسنا وطنا من عُري الماء ودهشة الضوء؟
وأغلقنا العالم بكبسة قلب،
ومددنا على حواف الجنون حدود مملكتنا؟
مملكة تستفيق فيها المدن على قُبلة،
وينام فيها البارود على صدرك بسلام،
مدينة لا تعرف الحرب،
ولا تعترف بالقوانين،
ينام فيها الجنون مطمئنا،
ويستيقظ الحب كل صباح
ليؤدي على شفاهنا صلاة العشق الأخيرة.
عبد العزيز برعود
رؤوس أقلام حول عالم كتابة القصيدة الشعرية الحديثة :
في نص فريد لا يمكن أن يقرأ لمرة واحدة كي يخلو لعاشق اللغة الشعرية أن يقف عن قرب هذا النص كي ينصت لكل الأصوات والهمسات والخلجات التي تترجمها لغة الشعر عصارة من مشاعر صادقة تحملها ذات الشاعر عينه.لا يمكن للشعر أن يلبس ثوبه النظيف والمثير من خلال تناسق ألوانه في غياب الخيط الرفيع الذي يجمع بين الخيال لدى الشاعر والواقع والموضوع.وهذاالثالوث يتحكم عادةفي الميكانيزمات الظاهرة والباطنة لروح القصيدة التي تعطيها جاذبية كبرى لدى جمهور القراء عامة وعشاق الشعر خاصة.والشاعر ينطق بالشعر للتعبيرعن نفسيته ومتطلبات الزمن الذي يعيش فيه،علاوة فإن القدماء انتبهوا إلى الدوافع التي تنطق الشاعر فقالوا:آمرؤ القيس ينشط لقول الشعر
إذا ما ركب وزهير إذا رغب والأعشى إذا طرب والنابغة إذا رهب وذاك ما دونه القارئ المتميز عبد الفتاح كيليطو في كتابه ” الأدب والغرابة “لكن بعودتنا لنص الشاعر عبدالعزيز بورعود فهو لا يخرج عن التعبير الوجداني وحضور لغة القلب والعقل معا ،ناهيك عن ثقافة اللغة التي منحت للنص قوته وتماسكه وسلاسة في الوصف وتناسق الصور والبداهة في السرد الحكائي في إطار ما أمسى تعرفه القصيدة النثرية الحديثة من عمل شعري “oeuvre poétique”،تتداخل فيه عدة عناصر أساسية في البناء الفني والإبداعي للنص الشعري الحديث ولما لمسناه في هذا النص ،دون أن نشير لذلك من خلال مقتطفات بعينها من استرجاع وحكي ولغة ووصف وصور ومشاهد وسرد كما ذهب إليه القارئ المغربي صلاح بوسريف في ندا الشعر والذي اعتبره كطريق جديد حول مشروع الشعر الذي عادة ما يأتينا من المستقبل .وأنا أعيد قراءة هذا النص استحضرت شاعر المرأة نزار قباني وهو يحلق في سماء الحريم بلغة الكبار.ومن أجمل ما قاله عن المرأة.والتي تغنى الكثير من الشعراء والأدباء بها وذلك لدورها المهم في هذه الحياة. عندما أشرب القهوة معك أشعر أن شجرة البن الأولى زُرعت من أجلنا. والشجعان يتزوجون عن حب والجبناء تزوجهم أمهاتهم وما أثارني كثيرا من ما جادت به قريحة شاعر الشهيدة عبدالعزيز بورعود أهرب من المدن التي لا تشبهك،
من القصائد التي لا تتهجى اسمك،
من الشعراء الذين يبيعون الوهم في أسواق العكاظ،
ومن الحروف التي لا تمشي حافية على جسدك.
أهرب من القصيدة حين تصير تجارة،
من اللغة حين تصبح قيدا،
من الشعر حين ينسج بالرتابة،
من التاريخ حين يعاد كجنازة على شاشة الندم،
كجسد مسجى على قارعة الألم
.تكريما لهذا النص الرائع والجميل. سيتم نشره في منصتنا الأدبية في رحاب الأدب. إذ سيجد القراء مناصفة الرابط في التعليقات صحبته. كل تقديرنا الجميل للشاعر المغربي ابن الديار عبدالعزيز بورعود لهذا الإبداع الشعري المتميز

تدوينة الشاعر المغربي عبد العزيز برعود عن القراءة المصاحبة للنص لعبد الرحيم هريوى
قرأت القصيدة بعين الناقد وذائقة العاشق، فجمعت بين عمق الرؤية ودفء التلقي، حتى بدا تعليقك نصا موازيا يضيء التجربة ويمنحها امتدادا أجمل.
أسعدني هذا الغوص الواعي في تفاصيل البوح، وهذا الربط البديع بين التراث وحداثة القصيدة، بما يكشف عن قارئ يمتلك حسا أدبيا رفيعا ووعيا جماليا راقيا .
ممتن لك من القلب سيدي عبد الرحيم على هذا العبور الجميل.

Share this content:





