الثمن يجرّ قدميه وهو يتجه نحو الزقاق. من يره من بعيد، يُخيَّل إليه أنه شيخ طاعن في السن؛ ظهره مقوّس، وتجاعيد كثيفة تحت عينيه، وبشرته السمراء تشهد على قسوة الشمس التي التهمت وجهه الطفولي. كان يقترب شيئًا فشيئًا من عتبة المنزل، ينظر إلى الكيسين بين يديه، ويبتسم ابتسامة باهتة. طرق الباب بقدمه في صمت رهيب، وكأن الدنيا انكمشت كلّها في بابٍ وقدم… ولا شيء غيرهما. وفجأة، خُلق العالم من جديد على ضحكات أطفال صغار، يهرعون بمرح نحو الطارق، ينتزعون الكيسين من يديه، ويشرعون في التهام ما بداخلهما من طعام. ثم تتدخل عجوز جالسة في زاوية الغرفة وتقول: ــ اتركوا شيئًا لأخيكم… لكن، بعد ماذا؟ بعد أن صارت آخر اللقمات تحت أضراس الجياع. كان يشعر أن أمه العجوز تتعمّد التأخّر في نطق تلك الكلمات، وكأنها تنتظر أن تفرغ الأكياس تمامًا. عاد الصمت من جديد. وضع الصبي رأسه أخيرًا على الوسادة، وبدأ يحلم بقطعة خبز تُسكت صرير أمعائه. كان يأكل ما لذّ وطاب، بل وينتزع من بطون إخوته كلّ ما التهموه. ثم يستفيق على أذان الفجر، ويستغفر الله على كل تلك “الفظاعات” التي ارتكبها في الحلم، ثم يدعو الله أن يكبر هؤلاء الصغار بسرعة… قبل أن يضربه أحدهم يومًا بحديدة على رأسه، وهو يحاول سرقة الخبز من الخبّاز. — خرج قبل أن تنسلّ آخر خيوط الشمس من جوف الليل، معلنةً حضور الصباح. كل شيء كان مثاليًا؛ اختلط السواد بالبرتقالي، وبدأت العصافير تزقزق داخل الأعشاش. فكّر في احتمالية تحوّله إلى عصفور. هل سيكون حظّه أن يُطعِم الجياع أيضًا؟ فهو، ومنذ طفولته الأولى، لم يعرف مهنةً غير هذه. حتى إنه لا يستطيع أن يتخيل نفسه فرخًا صغيرًا تطعمه أبواه. ما يعرفه هو أنه أكبر إخوته، وأمه امرأة عاجزة عن الحركة… لكنها ليست عاجزة عن التفرقة بينه وبينهم. عاد إلى وعيه، وانتهت رحلة خياله التي لا تُطعم ولا تُغني من جوع. اخترق الزقاق، متجهًا نحو المخبز، في محاولة لاقتناص بعض الأرغفة قبل أن يعدّها صاحبها. يرمي الخبّاز الخبز داخل التنور، ثم يخرجه ويلقيه في صينية عند باب المخبز. أما الصبي، فكان ملتصقًا بالحائط المجاور لفتحة الباب، كي لا يلحظه الخبّاز. ليس أمامه إلا ربع ساعة قبل أن يحضر العامل الذي يرصّ الأرغفة، وبعدها تُوزّع على المحلات. ربع ساعة! إما يُصيب أو يُخيب… في هذه المرة، قبل أن يمدّ يده إلى الرغيف الساخن، تذكّر والده الذي هجرهم قبل سنوات… ولم يسأل عنهم يومًا. فكّر في البحث عنه بدلًا من سرقة الرغيف. — في تلك الأثناء، وقف أمامه رجلٌ أشعث أغبر، سأله بصوت مسموع: ــ كم ثمن الرغيف، أيها الولد؟ اضطرب، وتملّكه الخوف، حتى إن قدميه لم تسعفاه للفرار. أعاد الرجل عليه السؤال بصوت أكثر حدّة: ــ ألم تسمعني؟ كم ثمن الرغيف؟ أجاب بتلعثم: ــ درهمان. قال الغريب للخبّاز: ــ العامل الجديد لطيف ومهذّب… أطال الخبّاز عنقه محاولًا رؤية العامل، لكنه ظلّ ملتصقًا بالباب. ناداه: ــ أحمد… أهذا أنت؟ أعادها مرارًا، والغريب متعجّب من ردّ فعل الصبي… الذي لم يتزحزح من مكانه. قفز الخبّاز من داخل الحفرة التي يقف فيها مقابل التنور، وخطا نحو الزائرَين. صُعق مما رآه؛ طفل في العاشرة، في هذا الوقت من الصباح… قطّب جبينه، ورفع يده اليمنى محاولًا صفعه، لكنه تراجع بسبب نظرات الغريب المستنكرة. عرف الصبي أن الرغيف لن يكون من نصيبه، لا في هذا اليوم ولا في أي يوم آخر، فقد أصبح مكشوفًا للخبّاز… وللرجل الغريب الذي يبدو زبونًا دائمًا. انفلت من بين يديهما، واتجه مسرعًا نحو الشارع الرئيسي… — بدأ بعض الصخب يعم المكان، فقد بدأ أصحاب الدكاكين المجاورة يأتون لأشغالهم… والصبي لم يظهر له أثر منذ الصباح. إخوته يركضون في الحي، يتقافزون ويمرحون، وتبدو على وجوههم بعض النعمة. ثيابهم أيضًا نظيفة. أما أمهم، فقد خرجت وجلست فوق لحافٍ مطوي عند العتبة، تراقب المارّة، وتردّ السلام على من ألقى التحية. كلّ هذا، والصبي لم يظهر بعد… حلّ الظلام. دخل الصغار لتناول العشاء: بيضٌ مسلوق، وأرغفة كثيرة، وإبريق شاي. كأنها احتفالية… أو موسم للصدقات. وذلك المسكين مستلقٍ في زاوية الغرفة، برجلين مبتورتين، ووجهٍ منكسر، يراقب كيف أن رجليه كانتا تخزنان كل هذا الطعام والسعادة… لو كان يعلم ذلك من قبل، لارتمى تحت تلك السيارة الفارهة منذ زمن…

Share this content:




