دعني لحظة أعود بك عبر ذاكرة زمانية ومكانية لواقعة وقعت لي وشعرت حينذاك بقيمة القلم حين يحبك الناس بعفوية وبدون مجاملة ،لم يربطك بهم إلا الحرف وشعابه ..وأنا أتجول في رحبة بالمدينة الفوسفاطية بخريبكة إذ يعرض فيها كل شيء قديم ،مستعمل ، وخاصة ما يتم حمله من” سقط متاع” بديار المهجر بإيطاليا..فقدم عندي شخص لا أعرفه بالمطلق، وسماني باسمي ،وشكرني على كل ما ننشره بمواقع التواصل االاجتماعي ثم استأذنني بأن يلتقط معي صورة للذكرى.وذاك ماذهب إليه أيضا الروائي المغربي حسن أوريد الذي خرج من قمقم السياسة لعالم التناص الأدبي” للمثقف مكانة اعتبارية في المجتمعات الراقية” وهو الذي بصم بصمته عبر نصوص أدبية كبيرة في توليفة يكمل بعضها بعضا وسبق أن اقتنيت جلها-« الموتشو،الموريسكي،رحلة من الجنوب،رواء مكة، زينة الدنيا » وبعدها اكتشفنا بأن الفلاسفة االيوم ورجال الفكر بدأوا يميلون لكتابة الرواية،ولا لشيء سوى أنها لا تشترط عليهم الصرامة في الكتابة بنوع من الأسلوب الفلسفي والأداء الصارم القطعي،والمنهج العلمي الدقيق،وٱستعمال المقاربات التحليلية والنسقية في معالجة المواضيع الفكرية والفلسفية ،أما الرواية فهي تعطيك إمكانية القول المباح عبر لعبة السرد -الحكائي وحرية كاملة في التعبير. ولذلك نجد بأن النص الروائي لدى حسن أوريد ألبسه لباس التاريخ السياسي عبر لغة أدبية وثقافة عميقة للتراث العربي والاندلسي، مما جعل نصوصه تعيدنا للنص الذي يروم نقد المجتمع.ولنا في رواية” ترترة فوق النيل “لنجيب محفوظ في عهد جمال عبد الناصر وما سالته من مداد بين مؤيد ومعارض،إذ أنه قام بنقده للتجربة الاشتراكية المصرية من الداخل. بل هناك الذهاب أبعد من ذلك عبر تجليد الذات وطرحه لسؤال الهوية الصعب : من نحن؟ وما نريد ؟ وأي مستقبل نسعى لتحقيقه كمغاربة؟ كما فعل الروائي المغربي عبد الكريم الجويطي في نصه الرائع والجميل ” المغاربة’ بحيث اعتبره النقاد أفضل نص كتبه الرواة المغاربة خلال قرن من الزمن ،بحيث ٱستطاع أن يجعل من الأحداث التاريخية المؤلمة في الذاكرة الجماعية للمغاربة نص أدبي يحكي وقائع ويشرح ويفسر أحداث زمن ولى لكن ندوب جروحه ما زالت طافحة على سطح الجلد..
أتقاسم معكم هذا الرأي وأنا أعود لكتاب قيم ومفيد سبق أن قرأته .وهو تحت عنوان “لا مفهوم للثقافة عبد الكريم غلاب عضو أكاديمية المملكة المغربية.. وما أثارني فيه هو كيف يرى الثقافة كنسق تتداخل فيه عدة عناصر متفاعلة فيما بينها من أجل الوصول لهدف .وللأسف الثقافة عندنا في صورة الجلباب المغربي و البلغة الفاسية والبهرجة والأضواء وهلم جرا .وكما قالها صاحب رواية الحي الخطير والشاعر الملقب بصاحب الزوايا الحادة محمد بنميلود .بأنه ليس من رواد اللقاءات الرسمية والإعلانات والأضواء والكاميرات والبحث له على ظهور وإشهار لصورته واسمه عبر الثقافة الرسمية الموسمية العابرة،فهو أديب الظل كما صور نفسه.ولم ينشر من أجل النشر معتبرا أنه الأسوأ في مجال النشر ،وقد نال جائزة الوفاق اللبنانية لقيمة نصه الخطير في الحي الخطير.و لذلك عمدت إلى الاحتفاظ ببعض رؤوس أقلام من الكتاب المذكور لعبد الكريم غلاب رحمة الله عليه.
متاعب كل مثقف هي متاعب الثقافة ، والأبطال هم الذين يجتازون المتاعب جميعها فيكتبون،لعل بعض ما يكتبون يقنع قارئا فتحدث المعجزة : اتصال فكر بفكر وتنمية أسرة المثقفين..وما يأخذ الآن باهتمام الثقافة ،ويتفجر على لسان المثقفين هو طغيان التكنولوجيا على الحياة : المشاهدة تغني عن القراءة والأنترنت يرمي بالكتاب في زاوية مظلمة ، إلا إذا اقتحم البيت بغير استئذان ،ولا مكان للمثقفين في عالم المال،تربح منه مؤسسة واحدة مليون دولار في الدقيقة .يدير العملية في المؤسسة شاب سقط في امتحان كل فروع المعرفة حتى حساب المليون .ولكنه يتمتع بحاسة المراباة فتعتز المؤسسة بعبقرية…
-الذين يسيرون دائما وراء سراب يحسبونه قريبا،وهو في الحقل الثقافي بعيد...يكاد المجتمع لا يعترف بالثقافة والمثقفين ولو أخذ ينشيء لها في كل حكومة وزارة هزيلة تنفي التهمة عن الحكومة،أكثر مما تنشر للثقافة رداء .
أحيلكم على هذا الكتاب المفيد تحت عنوان *لا مفهوم للثقافة …عبد الكريم غلاب عضو أكاديمية المملكة المغربية..

Share this content:




