للكتابة محراب لا يتعبد فيه بإيمان؛ القلم وهبته إلا من يحمل ثقافة بل ذاكرة عبارة عن مكتبة متنقلة ..للقيمة الأدبية والفنية لهذا المنشور سنحتفي به بمنصتنا الأدبية ضمن ما نختاره لقرائنا من عالم التناص بمواقع التواصل الاجتماعي./.ع.الرحيم هريوى
#كغير العادة، تغير شيء عميق في بانوراما المقهى ليلة أمس. لم يكن الأمر يتعلق بالمباراة، ولا بالنتيجة، ولا حتى بالهدف المبكر الذي سجله الصيباري فارتج له المكان في الدقيقة الأولى، فقد اعتدنا جميعا أن يبدأ المقهى بهذه الطريقة؛ انفجار جماعي، أكواب تهتز فوق الطاولات، شتائم تخرج من أقصى الزوايا، عناق بين رجال لم يتبادلوا أسماءهم قط، ثم يعود كل شيء إلى فوضاه الجميلة…
ذلك المشهد كنت أحفظه عن ظهر قلب. أستطيع أن أتوقع متى سيقف الرجل الجالس في الركن ليصرخ، ومتى سيشتم الطفل الذي يجلس بقربي الحكم، ومتى سيبدأ النقاش الحاد بين الطاولة القريبة من الباب والطاولة الملاصقة للتلفاز. للمقهى موسيقاه الخاصة، وكل واحد يحفظ دوره داخل هذه الأوركسترا من غير قائد.
ثم حدث شيء صغير جدا.
أربع شابات دخلن المقهى…
إحداهن ترتدي قميص المنتخب المغربي، ثانية تحمل العلم فوق كتفيها، ثالثة تظهر على ملامحها آثار استعجال طويل للحاق ببداية المباراة، ورابعة أخذت مكانها بهدوء وكأنها اعتادت هذا الفضاء منذ سنوات.
منذ اللحظة الأولى شعرت أن شيئا ما انزاح داخل اللوحة.
ليس لأنهن تحدثن كثيرا، ولا لأنهن طلبن من أحد أن يلتزم بالهدوء، فقد جلسن يتابعن المباراة مثل الجميع، غير أن المكان كله بدأ يعيد ترتيب نفسه حول هذا الحضور الجديد.
تذكرت فان كوخ…
كان يرسم حقلا قمحيا عاديا، ثم يمرر ضربة صفراء أكثر إشراقا مما تسمح به الطبيعة. ذلك الأصفر لم يكن يغير الحقل، لكنه يغير عين الناظر إلى الحقل. اللون الجديد يجبر بقية الألوان على مراجعة مواقعها، ويجعل اللوحة كلها تدخل في توازن آخر.
الأربع شابات كن يشبهن تلك الضربة الصفراء.
لم يتحركن كثيرا.
المقهى هو الذي تحرك.
الطفل الجالس بجانبي، كلما ضاعت فرصة، كان يفتح فمه ليطلق شتيمة حفظها من الكبار، ثم تتوقف الكلمة في منتصف الطريق. يبتلع نصفها ويترك النصف الآخر يموت بين شفتيه. كنت أراقبه أكثر مما أراقب المباراة. طفل في العاشرة تقريبا، يكتشف لأول مرة أن اللغة ليست واحدة في كل الأمكنة، وأن الحنجرة تعرف كيف تضع لنفسها فرامل حين يتغير المشهد….
وفي الجهة الأخرى وقف شاب ليطلق هتافا اعتاده منذ سنوات. التفت بعفوية، فوجد نفسه وجها لوجه أمام الشابات الأربع. ابتسم بخجل، جلس، وكأن الهتاف فقد مبرره فجأة.
حتى النقاشات التي كانت تعبر المقهى من أقصاه إلى أقصاه تقلصت مسافتها. صار كل واحد يناقش من يجلس بجانبه فقط. الأصوات انخفضت وحدها، والضحكات أصبحت أكثر اقتصادا، والشتائم أخذت طريقا مختصرا، وبعضها مات قبل أن يولد.
عندها أدركت أن الإنسان لا يكشف عن شخصيته، انما يكشف عن النسخة التي يسمح بها المكان.
مجتمعات الرجال المغلقة تصنع لنفسها قوانينها الخاصة، مع مرور الزمن تتحول الفوضى إلى عادة، والعادة إلى هوية، ثم يدخل عنصر جديد إلى المشهد، فتبدأ تلك الهوية في التفاوض مع نفسها.
الأمر يشبه مدينة بنيت شوارعها كلها على اتجاه واحد، ثم ظهر فجأة نهر في وسطها. البيوت تبقى في أماكنها، غير أن حركة الناس كلها تتغير.
كنت أتذكر عبارة للفيلسوف إيمانويل ليفيناس، الإنسان يصبح أكثر مسؤولية حين يجد وجه الآخر أمامه. الوجه يفرض أخلاقه قبل أن يتكلم. حضور الآخر يوقظ في الداخل منطقة نائمة اسمها الحياء.
الحياء ليس خوفا.
الحياء شكل راق من أشكال الوعي بوجود إنسان آخر يشاركك المكان.
ربما لهذا السبب خرجت من المقهى وأنا أفكر في المباراة التي جرت خارج المستطيل الأخضر.
كرة القدم بقيت كما هي.
التلفاز بقي كما هو.
القهوة السوداء بقي مذاقها كما أعرفه.
المقهى نفسه خرج من جلده لساعتين فقط، ثم عاد عند نهاية المباراة يحمل في ذاكرته لونا جديدا…
أدركت حينها أن بعض الأمكنة لا يتغير أثاثها، وإنما تتغير قوانينها الخفية، وما إن تتغير تلك القوانين حتى يصبح المكان نفسه غريبا على رواده القدامى.

Share this content:






