ومشينا حين مشينا طويلا دون توقف..وكان للحياة طعمها وذوقها المثير في زمان الحياة الرائع والجميل..نشتاقها على الدوام ببساطتها..بدفئها..وكؤوسها الملأى بالعشق العذري لكل شيء جميل نلامسه ونعانقه وهو ينبض بالحياة..ومشينا حين مشينا بنفس الحياة الطويل و نوستالجيا الحب..بشهواتها..ولذاتها..بحبها العميق..
ويا أيتها الحياة المزهرة في قلوبنا..!كم تعودنا على تواصلك الدائم معنا..وفجأة انقطع حبل الود بيننا..وغاب المرور بين ضفاف أنهارك الجميلة..الملأى بنزق وعذوبة الخيال نحو تحقيق آماني سعادة مفقودة بين دروب ذاك السفر الطويل…ومشينا حين مشينا طويلا وبدون توقف..كان لمرور العشق شجى و صدى في نبضات القلب..وكان لحب الحياة ونوستالجيا الذكريات الماضية رمزيتها وتواجدها في ساحة حرية الذات وانعتاقها من الطغيان والأغلال ورواسب ماضي حزين..امتصته الذاكرة وظلت ترسخ بها الحياة..وكل الرجاء في الأمل الكبير المنتظر..في صباح غد جميل..أو في ضربة حظ مفاجئة تخلط كل الأوراق..وتغير نبض حياة الحاضر وقلقها و ضيقها وانسداد أفقها المظلم ، صوب رفاهية نفس مفقودة وعادة ما تبقى من أحلام النوم الرومانسية أو بين سطور خيال الكاتب الجامح بين أحضان قصائد شعرية وجبر الضرر..لنفس متعبة رهيفة متعطشة للعيش الكريم في وسط وطن الغرباء.لا تهمهم أية لحظة سعادة عابرة لجيش المهمشين و المتباكين والمسجونين والصامتين خلف ووراء جدار الصمت القاتل أوبين شعاب قهر وظلام الليل السرمدي الطويل..
ومشينا حينما مشينا وبدون توقف..تلكم حياة أخرى بين مسارب ضيقة جدا، ووسط كهوف مظلمة..ووسط جبال ثلج باردة..وبين قطعان أغنام جائعة..عجفاء..خائفة ليست من ذئاب الغابة بل من صقيع وثلج شتاء زمانها البارد،ذاك الذي يجمد أي كائن يتحرك على البسيطة..ومشينا حينما مشينا طويلا و بدون أن نلتفت خلفنا لحظة..ووسط ركام وشظاياالصورالمفقودة..وإذا بي أصادف صورة فنية جميلة في معرض لرسام مجهول الهوية والاسم.غابت عنه ملامح وطموح الشهرة..ورغم الطوق المفروض، لقد ظل يرسم للجمال وللفن والإبداع والحياة الراقية السعيدة الخالية من حب الدنيا لذاتها،وقهر النفس لجمعها وطلبها.مثله في ذلك كمثل شارب ماء البحر كلما ازداد شربا ازداد عطشا..فنان تشكيلي هذامن طينة غريبة..إنه ظل كيتيم يتلذذ بشقى أحزانه وهو في صراع مع ريشته العنيدة..قد لا تطاوعه لحظة في إتمام لوحات البؤس والقهر والانتظار..لأنها تكون قد ملت رسم كل الألوان الرمادية..الحزينة..الشاحبة..المتداخلة بلغة اليأس والقبح الأدمي.وفجأة رمقتها بعين فنان ،إنها صورة لامرأة رائعة جميلة الوجه..ملامحها مثيرة للبصر..أنوثة متكاملة الأوصاف..علقها لوحدها في جهة اليسار قبالة أشعة شروق الشمس الذهبية الدافئة التي زادت لرؤيتها بهاء ورونقا وممتعة لناظريها..تساءلت وهمست أخاطب نفسي عن سبب هذا الانفلات الغريب والعجيب لريشة فنان تشكيلي وسط هذا الطوق.فلا آسم ولا شهرة له..إنه فنان لا تشكل كل لوحاته إلا ما بقى من رماد النيران لحروب طاحنة..لفقراء يمدون أيديهم بالدعاء للسماء كي تمطر..لكلاب نحيلة جائعة لم تعد قادرة على النباح..لظلال يتامى يأكلون ما لا يأكله بني الإنسان..لمدينة مظلمة بئيسة حزينة و سكانها عراة حفاة إلا من لباسهم المحلي جله بالي وقديم.يتسابقون على معونة حملتها أيادي تستثمر في شقاء البؤساء والمحرومين من نعمة السماء..نعم؛ كل لوحاته شعارها يعبر بصدق عن أي شيء يخافه الإنسان في زمان حياته الجميلة..الفقر..الجوع..الضياع..الحرمان..الخوف..القهر.التسلط..الخيانة..الغدر..الرذيلة..الشقاء..الجحيم..البكاء..الدموع..الصراخ..الضجر..الملل..الحزن.الكآبة..الهوان..الذل.الاحتقار..التجبر..الظلم..الظلام..الموت..القبور..الكراهية..الدونية..الازدراء…و…ومشيت حين مشيت لكن ببطء شديد، وسط لوحاته الباقية لديه من أتعاب ليله ونهاره..
إنه يبيع جهده وتعب أيامه وشقاء أحزان حياته كي لا يمد يديه..كي لا ينتظر من يعطف عليه بدفع ثمن قهوته وسجائره التي تزيد من سواد صدره على سواد حياة، يقطع أيامها بأقدام حافية ولا أمل في شمس ربيعية دافئة تعيد اخضرار الأرض و خصوبتها ..لوحات بئيسة حزينة،كانت كلها تبكي بكاء صاحبها حزنا لغربتها ووحشتها لقد كانت تعيش غربتها بين أحضان مجتمع همه في بطنه..لاعلاقة له بالفنون..بالرسم ..بالقراءة والكتابة..مجتمع افترسه الجهل والأمية حتى أخمص خدميه..مجتمع ميت بلا روح و بلا ذوق أدبي ولا فني يربطه بجمال الحياة الأخرى..لوحاته ظلت متسمرة على جنبات شارع متهالك..يمني النفس لعل أحدا يساومه إحداها كي تخفف من حاله،أو لعلها تعيد له ابتسامة أو فرحة عابرة..فقدها في زحمة أيامه المظلمة الحالكة..
القليلون من هم من يهتمون بذاك الفن التشكيلي الرائع رغم ألوانه الكئيبة..الحزينة..البائسة..لغموض ما يرسمه فنانهم الشعبي،وما يعرضه من لوحات فنية في أكثر من مكان بأرجاء هذه المدينة التاريخية التي لا يأتيها إلا الغرباء ولا يزورها زائر ولا سائح..إنها تعيش الطوق والحصار،لأنها على الفطرة وجدت مهمشة..وكان لوجودها بهذه النقطة من خريطة الوطن حكاية قديمة ظلت تروي أسطورة سيزيف يصدقها بني الإنسان لجهله وفقدان لذاكرته وغياب عقله..ولعل ماضيهم ولد ميتا..وأمسى كحاضرهم..فلا تغيب شمسهم ولا يضحك أطفالهم الصغار ولا يمرحون..تسمرت أمام تلك اللوحة الرائعة وسرحت في خيالي أتلمسها بأعماقي ثم أطلقت ابتسامة غريبة وخفيفة، وأنا أحدث ذاتي قائلا: ولماذا لا تكون هذه اللوحة التشكيلية الرائعة (جيوكندا ثانية بريشة مغربية) في آخر هذا الزمان العجيب ورسام مغمور في مدينة التاريخ البعيد..وأنا ما زلت أعانقها بإحساس كاتب وفنان تهرب منه مشاعره في لحظة هيام لكنه ظل يراقبني عن بعد ..لقد كنت لوحدي من بين المارة الذين يترجلون ولا يبالون ولا يهتمون..وقليل منهم من يحملقون نحو لوحاته وهم هاربون لا يلتفتون ..أما وأنا اللحظة ؛ فأبدو جد غريب في كل شيء وسط جدران هذه المدينة الباردة الحزينة الصامتة،ووسط طوق طبيعة قاتلة.لعل ذلك كله قد قرأه هذا الفنان الكبير بلغة فنه وإبداع ريشته،رغم عدم الشهرة التي تصنعها أيامنا التي يحكمها الأغنياء والأموال والعلاقات و الإشهارات ومنصات التواصل الاجتماعية والسياسة وأشياء أخرى..كل تلك العوالم لا أظن بأن لها رابطة ما بفناننا التشكيلي المبدع وسط جدران مدينة منبوذة بالفطرة …وأنا ما زلت حتى الآن أتمعن في جمال هذه اللوحة وألوان الحياة الأخرى التي شكلتها وأعطتها جمالية فنية خفية، لا يتذوقها إلا قلب فنان أوأديب أو شاعر يتذوق كل الأشياء الجميلة في حياتنا إن هي وجدت.. ونحن ما فتئنا نريد الحياة ما استطعنا لها سبيلا لدى قول الشاعر الفلسطيني محمود درويش ،وهو ينظر إلى مركب وسط ماء نهر ، فلما تسأله عن ما يمثله له ذاك المنظر الطبيعي يقول لك في جملة واحدة مختصرة :تلك يا سيدي هي الحياة..هي نظرة (لميتافورmétaphor)الصورة التي ترسخ في ذهن الفنان ،فيعبر عنها بكلمة عذبة أو بريشة تتلوى بين أصابع يدي رسام كثعبان سحري،أو حكمة أومقولة بليغة..فناننا التشكيلي هذا؛ اتخذ له مكانا في أقصى لوحاته، ووضع بالقرب منه صينية مغربية قديمة من النحاس الأصيل يتوسطها إبريق جميل.يكاد يكون من التحف النادرة جدا، وهو ينتشي باحتساء رشفات من كأس شاي..أظنه باردا برودة مشاعر وأحاسيس هؤلاء الناس الذين يعيشون عيشة أهل الكهوف في عزلة تامة عن العالم الآخر،للمكان الذي تتواجد فيه مدينتهم التي أمست بعض جدرانها من الأسوار التاريخية التي تشهد عن عمرها الضارب في القدم..
-سلمت عليه بلغتي لم يرد سلامي،تضايقت منه في حينه لأنه أومأ لي سوى برأسه..وازدادت شكوكي حول شخصه
-هل لم يسمعني بالفعل ؟
-هل هو أصم ؟
-هل يتكلم لغة أخرى غير لغتي.. ؟
– هل وهل…؟؟
-كلها،من تلك الأسئلة المقلقة لي ،ولربما حتى له.ومن يدري..؟
-لا بد لي من فتح بعض الزقاق المظلمة والمزيد من الحفر والنبش، لأجد لهذا الشخص الغريب بابا أو منفذا أدلف منه كينونته الغامضة غموض طقوس وأحوال هذه المدينة العجيبة. المهمشة وسط هذا الطوق الأسطوري…!
-فقلت حينها:أتمنى لك سيدي ؛ كل التوفيق في عرض لوحاتك هاته..وفي معرضك الجميل هذا..!
-أشعر بنفسي الآن ؛وكأنني بباب الرواح بالرباط العاصمة…!!
– وأتمنى أن لا أكون ثقيل الظل عليك؛ سيدي..!!
-وتكون أشياء لا أعلمها و بطريقة ما قد ساهمت في قطع تواصلك الطبيعي معي.
-ورغم عدم اهتمامه بي و بالشكل المقبول ،الذي يرضيني قدمت له نفسي..
-أنا يا سيدي مغربي، مقيم بديار المهجر وبالضبط في دولة تسرق الأدمغة من هذا العالم الثالث .
– ربما عرفتها لا مجال لذكر اسمها.
حينها قهقه وهو ينفث دخان سيجارته بقوة،ورد علي حينها بعامية..بلهجته الحرشة.
-” صباحتوا الله عا هما هاذ النهار،آش بغيتي حتى أنت هو الاخر ،يا لاه جيني من لخر “
-يا سيدي كما ترى وكما أرى .
-أنا غريب ابن غريب وقد حطتني الأقدار الربانية في مدينتكم المظلمة هذه لعل ما أراه واستسمح عن هذا التصوير الدراماتيكي : إن ليلها كنهارها ..!!
-وليكن في علمك سيدي بأنني عاشق دائم للجمال، أينما وجد في هذه الطبيعة..سواء في وسط هذا البشر أو في نصوص مكتوبة تلهمنا بإبداعاتها..أو في الكلام ذي معاني ..أو في أمثال أوفي نظرة فيلسوف..أو في الشجر والتراب والحجر..لأن الأديب عادة ما تكون نظرته مغايرة للأشياء ..وهو الذي يعبر بطريقته وإذ يرى الأشياء بقلبه ووجدانه العميقين.. وحقيقة الإنسان والحياة..وما مروري من هنا سوى لاكتشاف مزيد من الظلمة بين زوايا وأركان مدينتكم المهجورة هاته إلامن ساكنتها المتعبة بفعل قهر الزمان..وتخيلت مدينتكم مثل كل مدينة منجمية تعطي من أرضها بدون مقابل..ولما ينتهي عطاؤها أو ينفذ ما في جوفها ،الجميع يتخلى عنها كذات مجذومة بل يتركونها حافية عارية الصدر في مواجهة برودة وقساوة طقس الجبال التي لا ترحمها هي الأخرى.
-كما لا أخفيك سرا؛ سيدي العزيز؛ بأنني ظننتك في أول الأمر بأنك لاتتكلم لغتي وبهذه الطلاقة والفصاحة والبيان.ولذلك تنفست الصعداء،رغم هجمتك الشرسة على شخصي في أول وهلة…!!
-وأنت تستفزني عن سبب تواجدي بمعرضك في هذا الفضاء الطلق.
– وأنت تعرض هذه اللوحات الفنية الجميلة بهذه الطريقة العشوائية..
-وأنت لا تهتم كثيرا بأي كان..وبأي واقف يتمعن في لوحاتك ليقرأها بعينيه ولربما تكون قد مثلت له أي شيء ما في الحياة..أو شغلته لاعتبارات قد تجهلها وأجهلها.
– رد الفنان التشكيلي :
-كل شيء تلفظت به يحمل أكثر من رسالة وأظنك بالفعل من الغرباء على هذه المدينة.
-وأنا كذلك مثلك رمتني الأقدار ها هنا..فلقد كنت مقيما بباريس لما يزيد عن خمسين سنة..وشاءت الظروف أن عدت لوطني رفقة زوجتي الفرنسية ”anat “للقيام بجولة سياحية بالمناطق الصحراوية والجبلية بحثا عن الهدوء والسكينة و الشمس..ودفء الحياة..وبساطتها..
-وسكت لحظة والدموع تنهمر وتسيل من عينيه..لربما يريد أن يخبرني بحدث ما يكون قد غير مجرى حياته كلها.
-انتظرت منه أن يتمم لي قصة حياته
-ماذا وقع لزوجته ؟
-هل أصابها مكروه ؟هل توفيت؟
-هل عادت للديار وتركته ؟
-هل أصيب بمرض ما أفقده ذاكرته؟
-هل افترقا لسبب ما لم يرد البوح به؟
-هل كان له منها أولاد ؟
أسئلة متشابكة..ظلت مجهولة الإجابة وظل معها فناننا التشكيلي مجهول السريرة رفقتها..كان لا بد لي أن أتوقف عند هذا المفصل..وبدون المزيدمن الحفر في الإتجاه المعاكس و العصي من حياة الرجل..لكن ما تيقنت من معرفته أننا نحن الإثنان غرباء بهذه المدينة المهمشة و التي لم تكن محظوظة..وهي تتخذ لنفسها مكانا موحشا بين هذه المنعرجات الخطيرة، ووسط هذا المكان المعزول..وكان لا بد أن أعرفه بشخصي لعل منسوب الثقة يزداد لديه ويبوح لي بالمزيد من الحقائق عن المستور في سيرورة حياته.
-أنا سيدي؛ مثلك غريب عن نفسي وعن هذه المدينة المنسية على وجه هذه البسيطة لأسباب نجهلها.فظروف الحياة جدصعبة بل تكاد تكون مستحيلة لاعتبارات كثيرة ها هنا. لقد رمتني الأقدار بها لأقضي بعض الأيام وأتمم رحلتي نحو الجنوب الشرقي..وأنا مولع بالرحلات والمغامرات، ولدي فرس أتنقل عليه وأحمل عليه متاعي..وفي أي مكان غربت فيه شمس نهاري أنام فيه.. وقد يطول بي المقام لأيام وأيام.. وبعدها أواصل المسير.ومن هوايتي أنني أحب الأدب وفنونه بل أعشقه بجنون..وولهان بالعشق العذري..واهتم كذلك بالقضايا الثقافية والسياسية والبيئية..كما أنه من ثقافتي أنني لاأخوض في الكلام الملغوم كثيرا..ولا في الحفر في شخصيات وأعراض الناس كيفما كانت مكانتهم أو مراكزهم..رفيقي ومؤنسي هو قلمي وحريتي صحبته.وما يقوله الآخرون لا يهمني لأنني ما سعيت يوما لكسب شهرة ومكانة في قلوب الآخرين..ولا أن أتزاحم معهم كي أحصل على شيء ما..ما دامت تقتي فيما يخطه قلمي أكبر من أي صوت أو زمهرير رياح تهب من أي جهة كانت.
الفنان التشكيلي :تحياتي لك صديقي،أتمنى أن يكون مرورك ومقامك أنت كذلك بهذه المدينة المهمشة التي تعيش وسط هذا الطوق المهيب..وما تحمله ذاكرتك وما تحتفظ به من أجواء تجسد بحق حياة هؤلاء البشر الصامتين والذين يعيشون عيشة الغربة والغرباء ووحشتها في حياة سرمدية.. ولربما ذاك ما يخطه قلمك من أوصاف ومعاناة في هذه المحطة من رحلتك هاته.
-طلبت منه حينذاك أن يبيعني لوحة ” الجيوكندا المغربية ” لكنه أبى و اعتذر لي هذه المرة بكل لباقة وإنسانية مبتسما
ثم قال:
-كل لوحاتي التي تراها أمامي وأمامك ليست للبيع مطلقا وهو يكررها لي أكثر من مرة …
-نعم؛ إنها ليست للبيع مطلقا.
-ودعته؛وودعت معرضه وتزاحمت الأسئلة الجديدة والكثيرة بدواخلي..!
وأنا أردد : مدينة الطوق هاته غريبة وعجيبة في كل شيء…!

Share this content:





