الهيبة الحقيقية لا تبنى بالخوف بل بالأخلاق..للقلم المحلي لطيفة لبريز – خريبكة اليوم- المغرب

هناك فرق كبير بين من يفرض حضوره بالصراخ والتسلط وبين من يفرض احترامه بأخلاقه واتزانه. فبعض الناس يعتقدون أن رفع الصوت أو التقليل من الآخرين أو التعامل بفوقية يمنحهم قيمة أكبر بينما الحقيقة أن الإنسان كلما احتاج لإهانة غيره ليشعر بقوته دل ذلك على ضعف خفي في داخله لا يراه إلا أصحاب البصيرة.

فالنفوس الراقية لا تقاس بما تملكه من سلطة أو نفوذ أو شهرة بل تقاس بطريقة تعاملها مع من لا مصلحة لها عندهم. لأن الأخلاق ليست استعراضا مؤقتا أمام الناس بل معدن يظهر تلقائيا في لحظات الاختلاف والغضب والضغط. وهنا يعرف الإنسان على حقيقته فإما أن يرتقي بأدبه أو يسقط بما يخرج من لسانه وتصرفاته.

وليس من النضج أن يبرر الإنسان قسوته بظروفه ولا أن يجعل تعبه النفسي أو الصحي سيفا يجرح به من حوله. فالحياة أثقلت الجميع بطريقة أو بأخرى، ومع ذلك هناك من يحارب أوجاعه بصمت ويحرص رغم انكساره ألا يؤذي أحدا بكلمة. لأن التربية الحقيقية تظهر حين يكون الإنسان قادرا على الرد والإساءة، ثم يختار الاحترام رغم كل شيء.

كما أن كثرة التجاوز تُطفئ أجمل المشاعر فالناس قد تتحمل مرة ومرتين بدافع المحبة أو التقدير لكنها حين تشعر أن كرامتها أصبحت مستباحة يتغير كل شيء بداخلها. عندها لا يعود الصمت احتراما بل يصبح ابتعادا ولا يصبح تغير الأسلوب قسوة بل حماية للنفس من الاستنزاف.

والغريب أن بعض الأشخاص يطالبون دائما بالتقدير لكنهم ينسون أن الاحترام لا يطلب بالكلام بل ينتزع بالسلوك. فمن زرع طيبة في القلوب حصد مكانة لا تهزها الأيام ومن اعتاد التكبر وكسر خواطر الناس سيجد نفسه مع الوقت محاطا بالمجاملات الزائفة لا بالمحبة الصادقة.

فالإنسان الراقي لا يحتاج أن يُذكر الناس بمقامه لأن أخلاقه تقوم بذلك نيابة عنه. والتواضع لا ينقص من قيمة أحد، بل يزيده رفعة وهيبة في أعين الجميع. أما التعالي فهو محاولة ناقصة لإخفاء فراغ داخلي لا يملؤه لا منصب ولا قوة.

وفي النهاية، تبقى المعاملة أثرا لا يمحى فالكلمات قد تخرج في لحظة لكنها تسكن في الذاكرة طويلا. لذلك ليس أجمل ما يتركه الإنسان خلفه كثرة حضوره بل حسن أثره في النفوس.

بقلم: لطيفة لبريز

Share this content:

  • Related Posts

    قد يكون صادقا الشاعر”محمود درويش” حين صدح “نربي الأمل..!!” وها هي الشاعرة المغربية تورية لغريب تصاحب طنينه..خريبكة اليوم -المغرب

    هنا، عند مُنْحَدَرات التلال، أمام الغروب وفُوَّهَة الوقتقُرْبَ بساتينَ مقطوعةِ الظلِ،نفعلُ ما يفعلُ السجناءُ،وما يفعل العاطلون عن العمل:نُرَبِّي الأملْ! محمود درويش  لا أنفي عني فكرةً تطاردني كوحش عجوز… أمام المرآة…يحاصرني مشهدُ جُثّةِ السنين المتفحمة ممدّدةً فوق حشائش القلق… في ركني المعتاد…أثر فناجين قهوة انتحرت بعد أن لفظت لُهاث طريق ضرير، كان يدلّ الخطى على آخر محطات الضياع كشيخ يستعجل الفناء… في…

    Read more

    ظلال معاني من بين الكلمات باللون الأبيض ..عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب

    على أي ؛دعني أبصم برموز اللغة وثقافتها وبلون البياض، الذي يعطي للثلج جماليته قبل الشعور برودته ،ولون الكفن الأبيض الذي نسافر به كآخر كساء وجودي إلى عالمنا الآخر حيث تساءل عنه الشاعر الفلسطيني محمود درويش عن أجوائه ؛وعن لغته وهل هناك وقت فيه للقراءة.. وقال عن تلك اللحظة التي يفترق فيه الجسد عن الروح ،وينفي شاعرنا الموت بروح لغة الشعر، إنما…

    Read more

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    ورقة تنويرية حول الديوان الشعري للشاعرة ” حليمة المجاهد ” المعنون بصرخة على مرافىء التمني …الناقد علال الجعدوني-خريبكة اليوم – المغرب 

    ورقة تنويرية حول الديوان الشعري للشاعرة ” حليمة المجاهد ” المعنون بصرخة على مرافىء التمني …الناقد علال الجعدوني-خريبكة اليوم – المغرب 

    لا قلب للوقت_____عبر إبداع شعري لأحمد نفاع-خريبكة اليوم -المغرب

    لا قلب للوقت_____عبر إبداع شعري لأحمد نفاع-خريبكة اليوم -المغرب

    المدينة المهمشة وسط الطوق..!قصة قصيرة -عبد الرحيم هريوى- خريبكة اليوم -المغرب

    المدينة المهمشة وسط الطوق..!قصة قصيرة -عبد الرحيم هريوى- خريبكة اليوم -المغرب

    الهيبة الحقيقية لا تبنى بالخوف بل بالأخلاق..للقلم المحلي لطيفة لبريز – خريبكة اليوم- المغرب

    الهيبة الحقيقية لا تبنى بالخوف بل بالأخلاق..للقلم المحلي لطيفة لبريز – خريبكة اليوم- المغرب

    الموت ..إنه الخبر الأخير..عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم – المغرب

    الموت ..إنه الخبر الأخير..عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم – المغرب

    لن نغادر..لن نغادر..عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم- المغرب

    لن نغادر..لن نغادر..عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم- المغرب