فصل الشتاء في باديتي…
فصل الشتاء في باديتي لم يكن مجرد فصل عابر ،بل كان امتحانا صامتا تجريه الطبيعة على قلوبنا الصغيرة .لم يكن المطر ماء فقط ،بل كان ذاكرة تسقط من السماء ،و تتشبث بالأرض ،كما كنا نحن نتشبث بالحلم.
كنت أخرج إلى المدرسة أربع مرات في اليوم ،كأنني أعبر فصولا كاملة في مسافة قصيرة .الريح كانت كائنا خفيا تلاحقني ،تلسع وجهي ببرودة حادة ،وتعبث بخطواتي الصغيرة فوق دروب موحلة ،كانت الأرض تئن تحت وقع المطر ،وأنا أمشي فوقها بحذر ،كأنني أعتذر لها عن إزعاج سكونها.لكن رغم ذلك لم أكن وحيداً .كان لي درع سحري…جلباب حيكت خيوطه بحنان أمي .لم يكن مجرد لباس يحميني من البرد ،بل كان دفئا يمشي معي .
وفي الطريق كانت الطبيعة تشاركني الرحلة ،أشجار الزيتون تقف شامخة ،تهز أغصانها كأنها تحييني بصمت ،وطيور تلوذ بالأغصان تحتمي من قسوة السماء مثلنا تماما .وبرك الماء تعكس وجهي الصغير ،فأرى فيه مزيجا من تعب مبكر وعناد جميل.
كنت أصل إلى المدرسة ويدي متجمدتان ،لكن قلبي دافيء .أجلس على المقعد الخشبي ،أفتح دفتري ،فتتساقط من داخلي قطرات المطر التي علقت بروحي لتتحول إلى حروف تبحث عن معنى.
عند عودتي من المدرسة مساء ،كنت أجد أمي قد أشعلت النار في الكانون ،تتصاعد منه رائحة الحطب كأنها نشيد دفء قديم ،كانت النار ترقص بهدوء ،وتلقي بظلالها على الجدران ،فيما تنحني أمي فوقها تعد لنا وجبات دافئة .
كنت أجلس قريباً من الكانون ،أمد يدي نحوه ،وأراقب أصابعي وهي تستعيد الحياة شيئا فشيئا ،كأن النار تبث فيها روحا جديدة .أطيل الجلوس لالشيء إلا لأن الدفء كان يشبه حضنا مفتوحا ،لاأريد مغادرته.
وبعد إنجاز واجباتي المدرسية ،نتحلق أنا وإخواني حول الموقد ،هناك تبدأ حكاية أخرى…
نتبادل أطراف الحديث ،نضحك أحيانا ،ونصمت أحيانا أخرى ،لكن الصمت نفسه كان دافئا ،ويطول السمر في تلك الليالي الشتوية الباردة يصاحبنا في سهرها صوت المذياع الذي تمتد معه لحظات الألفة على نغمات الصوت الملائكي ،أو صوت الشحرورة،أو صوت كروان الشرق،أو صوت العندليب… حتى يبدو الليل أقل برودة ،وأكثر إنسانية.
في تلك الدائرة الصغيرة من الضوء والدفء ،كنا ننسى قسوة الشتاء ، كنا نصنع من القليل دفئا ،ومن التعب قوة ،ومن الطريق الطويل ،حكاية تستحق أن تروى.
Share this content:





