قصة قصيرة -آخر زفرة من الكيس البلاستيكي..عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم- المغرب

وأنا الجالس في المقهى كعادتي ..
وأنا هائم أقرأ بعض الصفحات من كتبي المنتقاة ..الموسيقى الصامتة تكسر بعذوبتها فضاء ذاك المكان..وأشعة الشمس تظهر وتغيب ..
وأنا تائه في قراءتي لكتاب روايات تاريخ الإسلام لجرجي زيدان ..وأنا أعيش أجواء الفتنة الكبرى التي عاشتها أمة الإسلام ..
كنت عبر خيالي أتصور نفسي متواجدا بدار الأمير عمرو بن العاص بمصر، وهو يحاكم من كانوا متورطين بطريقة أو بأخرى في مؤامرة قتله . بعدما قتل غدرا على يد ملجم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه،ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكوفة ..
وفي لحظة عابرة وتأمل وجودي ..التفت عن وجهة صوت يأتيني عن يسار تواجدي ..
أمعنت النظر أكثر في هيئة حالة شاب بثياب تثير أكثر من تساؤل ..!!
كان ذلك الصوت يحتاج مني أن أعرف مصدره بكل تأكيد ..
شاب خرج من هذا العالم الواقعي إلى عالم افتراضي يطلبه عن سبق إصرار، وهو ينفخ في كيس بلاستيكي أبيض بكل ما أوتي من قوة ..
وهو يتحرك بعض الخطوات ثم يتوقف كمجنون لا يعرف من عالمه إلا ما يرسمه دماغه في لحظات يعيشها لوحده ..في معزل عن عالم واقعي اجتماعي جد معقد يكون قد أنجبه في لقاء حميمي بين ذكر وأنثى من أجل تكاثر النسل فوق هذه الأرض…
ظلت عيناي ملتصقة بصورة شخصه؛ وهو يمشي نحو المجهول..غاب ظله ..وبقيت الأسئلة المتعلقة به تجذبني لحياة أخرى يعيشها البشر..وكل واحد له حياة سوف يقضيها وبطريقة ما قد يألفها إن كانت جميلة سوف يقبلها المجتمع أما إن كانت قبيحة فهو يرفضها.. لكنها تبقى حياة بكل ظروفها الإنسانية أو غير الإنسانية ..
ويبقى السؤال ..كيف يعيش كل واحد منا حياة من نوع قد يختاره عن طيب خاطره ،أم قد يفرض عليه قهرا في ظروف ٱجتماعية .؟؟
لا نعلمها ..!
هو يعلمنا..!
نحن لا نعلمها بالضبط لغياب المعطيات الكثيرة كي نحكم على شخصية تعاني..وهي تتعاطى لشم مادة سامة تهدد حياته في أي وقت..لكن جون جاك روسو الفيلسوف والتربوي الفرنسي في زمن عصر الأنوار يعرفها بطريقته الفكرية حين يكتب في دستوره التربوي “إيميل “كل مولود يخرج خيرا من بين يد الطبيعة لكن الظواهر الاجتماعية تفسده..!
فهل هذا الشاب ألف النفخ في كيسه البلاستيكي كي يغيب عن عالمه الوجودي الطبيعي و بشكل إرادي أم تلك طريقة ٱختارها كي يموت ببطء..ولسان حاله يقول:
أتناول المخدر كي أغيب عن هذا الوجود و بشكل مطلق :I take drugs to escape this existence completely
وهل هو على علم بأن نهايته ستكون في الزفرة الأخيرة التي سيطلقها صدره كي يفاجأ بأنه سيكون بين حياة وحياة..
وهي سوى سكرة من سكرات نتذوقها جميعا بمرارتها آجلا أم عاجلا..
لقد مشى لا يطوي على أي شيء.. وقد ترك خلفه عدة أسئلة بدون أجوبة لكاتب سوف يشاركها مع قرائه عبر سرد حكائي من أفكار وتأملات وأحداث نعيشها في واقعنا اليومي،يمكن أن تشكل أكثر من قصة قصيرة من واقعنا المعيش فيها أكثر من عبرة ودرس

Share this content:





