موسم الحرث في باديتي
كان لموسم الحرث في باديتي طعم خاص ،لا يشبه طعم آخر …طعم يمتزج فيه عرق الأرض بنبض الحياة ،وتتعانق فيه رائحة التراب المبلل ببشائر الأمل.
أتذكر والدي رحمه الله ،وهو يستعد لهذا الموسم كما يستعد المحارب لمعركة نبيلة، ينهض مع الفجر ،يتفقد السماء ويقرأ في زرقتها وأحوال غيومها ، مالا نقرأه نحن .
يستقدم رجلا مياوما ،يحمل معه خبرة السنين ،ويدين تعرفان لغة الأرض أكثر من أي كلام.
كانت أراضينا تمتد في صمت مهيب ،بعضها مخصص للشعير ،وبعضها ينتظر بذور القمح ،كأنها صفحات بيضاء ، تتهيأ لكتابة حكاية جديدة ،هناك يبدأ الطقس الأول : قلب الأرض … محراث خشبي بسيط ،لكنه في نظري آنذاك كان آلة سحرية ،يجرها حصانان بخطى ثابتة ، يشقان التراب في هدوء مهيب، كأنهما يعزفان لحنا قديما تعرفه الذاكرة الجماعية للبادية.
كان صوت احتكاك المحراث بالأرض ،يشبه صمتا عميقا ،كأن الأرض تتنفس بعد طول سكون .تتقلب التربة وتفوح منها رائحة الحياة ، رائحة لاتنسى … رائحة تشبه الطفولة نفسها.
وفوق الحقول المحروثة ،كانت اللقالق البيضاء تحلق في جماعات ،تحط تارة وتطير تارة أخرى ،تتبع آثار المحراث ،كانت تضفي على المشهد حياة أخرى ،وكأنها تشاركنا طقس الحرث، أو تحتفل معنا بميلاد موسم جديد .
كنت أراقب ذلك بعين طفل مندهش …أتنقل بين آثار الحوافر ، وأحاول أن أقلد خطوات الحصانين ، وأغرس قدمي في التراب الطري ،شاعرا أنني جزء من هذه الأرض.
جاءت السبعينيات ، ومعها صوت جديد اخترق هدوء الحقول…صوت الجرار.كان حضوره مختلفا ،قويا،يعلن عن زمن يتغير ،رأيت والدي واقفاً يتأمله ،بين دهشة الاكتشاف وحنين خفي إلى وقع حوافر الحصانين ،صار الحديد يشق الأرض بسرعة ، لكن شيئا من الرفق القديم ظل عالقاً في الذاكرة.
ومع ذلك لم تفقد الأرض روحها ،كانت تستجيب ،كما كانت دائما ،لمن يحرثها بحب.ظل والدي سواء بالمحراث الخشبي أو بالجرار يضع في كل خط يرسمه أملا جديدا ،ويزرع مع البذور جزءا من روحه.
اليوم ،كلما هبت نسمة تحمل رائحة التراب المقلوب ،يعود إلي ذلك المشهد …والدي ،المياوم ،الحصانان ،المحراث ،طيور اللقالق البيضاء فوق الحقول ،أدرك حينها أن موسم الحرث لم يكن مجرد بداية لزرع ،بل كان بداية لحكاية حياة ،تتجدد مع كل موسم ،وتروى في صمت الأرض.
Share this content:





