ورقة تنويرية حول الديوان الشعري للشاعرة ” حليمة المجاهد ” المعنون بصرخة على مرافىء التمني …
أحدث الشعر الحداثي تحولات كبيرة بين الشعراء أنفسهم والنقاد بحيث أصبح مرتعا للنقاش وإبداء الرأي،وذلك يعود لعدة أسباب ،وعدة اعتبارات وتصورات ومواقف ، من جملتها واقع طغيان الحداثة في صفوف الأقلام وما ورثناه من تراث لا يمكن الاستغناء عنه ….
لقد تطورت في زمن التحولات ، القضايا الإبداعية بين الشكل والمضمون بالإضافة إلى التمرد على طبيعة الرؤية للتراث …
كل هذا خلق سجلا في الساحة الثقافية العربية حيث تعددت الآراء واختلفت المقاصد وتنازعت النظريات والمناهج . فهناك من اعتبر القصيدة الموزونة هي الأصل يجب التمسك بها ، بينما الجيل الجديد الحداثي أعطى للقصيدة الحداثية مكانة خاصة تبعا لحركة التطور لمدارس الشعر في العالم الغربي وكذا العربي لتبقى التجربة الشعرية الحداثية القوة الإبداعية شاء من شاء وأبى من أبى …
في ظل ذلك نقرأ بعض خرجات شعرية في زمننا تهتم بالقصيدة الحداثية ككيان قائم يلبس صورا تتغدى من مستوياته الإبداعية كل الأجناس الأدبية والفنية على جميع المستويات البلاغي أو البياني إلخ .
وعلى هذا نقرأ تجربة لا يستهان بها للشاعرة حليمة المجاهد التي تشدقت بنصوص متنوعة في ديوان أطلقت عليه عنوان : (صرخة على مرافىء التمني ). فمن خلال نصوص الديوان الشعرية الشاعرية ذات الحمولة الدلالية التي نسجت عليها القصيدة الشعرية المبنية من المشاعر والحس الوجداني النابع من الحدس ، الراكب على صهوة المخيال الممتد في أغوار الرؤية الشاملة للوصف والإطناب في خلق تشكيل وسيلة فنية عميقة الدلالة متبعة أساليب التلميح والإيجاز بما يزيدها تماسكا بتوشيح المضمون توغل المتلقي في مجاهل الكتابة الشعرية بحثا عن المقصود لاقتناص درر خفية تفتح باب التجديد في الصور المنقوشة بكل ما تملك من آليات التخيل الإبداعي .
إذ في ظل هذا يعتبر الشعر خطاب تخييلي ، بينما النقد خطاب تصوري مولود من نسق اجتماعي تاريخي محدد ، ومعبر عنه في الوقت نفسه .
وبما أن العنوان غالبا ما يكون مفتاح مضمون الديوان ، ارتأيت تفكيك مفردات الديوان لتسهيل عملية التحليل على المتلقي المتعطش لمعرفة ما يتضمنه من أفكار وهندسة إبداعية .
فماذا تعني كلمة صرخة ؟
الصرخة هي صيحة شديدة الصوت ، عال جداً يصدر عن إنسان نتيجة عاطفة قوية كالفراغ ، الألم ، الخوف أو الفرح . وتعد ” اسم مَرة “من الفعل صرخ كما تدل أيضا على الاستغاثة ، وتستخدم مجازا للدلالة على الاحتجاج (صرخة من القلب) أو العمل بلا فائدة (صرخة في واد) .
ومعنى مرافىء : مفردها (مرفأ) هي جمع تكسير تشير إلى الموانئ ، أو مراسي السفن والقوارب ، وهي الأماكن الشاطئية الآمنة التي تتوقف فيها السفن للشحن ، والتفريغ والانتظار أو التصليح .
أما مجازا في السياق الأدبي تستخدم لتعني أماكن الأمان ، الاستقرار ، أو نهاية رحلة البحث .
بينما كلمة التمني تعبر عن اشتهاء وقوع أمر محبوب لكنه في الغالب مستحيل الحصول أو بعيد المنال ، وتستخدم عادة (أداة ليت) على عكس الرجاء (الذي يتوقع حدوثه) وغالبا ما يركز التمني على أحلام لا يرجى تحقيقها مثل ( ليت الشباب يعود ) .
أما بلاغة هو طلب شيء محبوب لا يرجى حصوله إما لكونه مستحيلا ( مثل عودة الزمن) ،أو بعيد المنال .
وبالرجوع إلى دلالة الغلاف التي تعد العتبة البصرية الأولى ، نجد اللوحة تثير الفضول ، جذابة تغري القارىء بألوانها وأشكالها لتعكس إيحائية ، وعلامة سيميائية تكشف ملامح سراديب المعنى جملة و تفصيلا .
إن نصوص الديوان تختال بجميل الكلمة ، بهي الإيقاع ، تنسل من دواخل شاعرة لتترجم الإحساس بجمال آسر …تجنح إلى الانعتاق من كل القيود ، قصائد كتبت بطعم الشموخ
لقد شقت المبدعة كل دروب الإبداع بلغة دالة ،جاعلة من الشعر وميض من النبض الداخلي،والمتعمق في نصوصها قد يجد استراحة روحية ، وخلق فني تتألق جذوته وتجلو معانيه العميقة..
حقا الشاعرة حليمة المجاهد تعتبر من رواد الشعر الحديث ،فاض نهر جنونها الشعري ب : تسع صرخات متنوعة جاءت على الشكل التالي : صرخة الانكسار ، صرخة التيه ، صرخة الغياب ، صرخة الضياع ، صرخة المقاومة ، صرخة الأرض والأمومة ، صرخة الفقد الوجودي ، صرخة الذات ، صرخة الرجاء ، كل الصرخات متناسقة فيما بينها اختيرت عناوينها بعناية فائقة الجودة لا تكف تحمل همها وهم من يعيش على نفس الرؤية والإبداع … وليس هذا فحسب بل إنها لا تكف تشذب أعشاب الروح بصرخات مكتومة تراقص هسيس الكلمات بصور شاعرية حالمة ممتطية الترميز عاكسة أغوار الذات .
الشاعرة تحاول قدر الإمكان أن تقتنص لذيذ المجازات في عدة نصوص ، وتعانق البهاء في أسمى تجلياته محاولة إغراق المتلقي في متعة جمالية متفردة …. أليس الشعر مغامرة لغوية ؟
فاللغة الشعرية إحساس وعي مقصود..يرجح الجمال بقدرة لغوية تصويرية جموح ..غالباً ما تتغنى بخبايا الذات..لقد أحسنت الشاعرة توظيف كلمات ديوانها بشكل يسبر الأعماق،تلبية للحاجة الفنية،متضمنة كل الشروط البنائية لتكون ديوانا جميل المحتوى… وكثير من الأدباء والفلاسفة يسيرون على نفس الرأي ينغمسون في عوالم حالمة تتدفق نبضاتها الداخلية من الألم،وتعج بالآهات ،تحاول لم شعت الذات لما تعرضت له من انكسارات وتمزق روحي وتهميش عاصفي،لكل ما سبق طرحت حليمة المجاهد نصوصها بأسلوب صامد ، حارق بعمق فلسفي جميل جداً

Share this content:






