كان ؛ فطور مساكين في رمضان ببلدتي..قصة قصيرة.عبد الرحيم هريوى -جماعة المفاسيس /خريبكة اليوم -المغرب

يحكي لي صديق عزيز ؛عشنا معا في عالم طفولة زمان، عن طقوس رمضان في أيامنا الغابرة ، وما بقي من شظايا صور متناثرة تحملها الذاكرة الفردية هناك ببادية جماعة المفاسيس.. ويا ما عاش إنسانها القهر والظلم، و أصناف شتى من الإملاق والجوع والصبر.. رغم أن في باطن أرضه معدن يساوي ذهبا وفضة ..ورغم الفواجع لقدكان قانعا مغترا..وكان يعيش عيشة البؤس والبؤساء بلبوسها الدراماتيكي..وكان ليله كنهاره يواجه خصاصته بالدموع حينا، و بالتوجع والأحزان حينا آخر..فعالم الفقراء عالم له طقوس فريدة، تحز في النفوس الرطبة والهشة ..ولا يمكن للقلم مهما فعل ومهما اجتهد أن يخط خطوطه الرمادية و يسرد لنا واقعه العميق والمتعب…فلا يشعر بآلامه إلا من عاشه وشرب من حنظلة..فالفقر كفر..والفقر أحزان وانكسارات من داخل الذات البشرية فلا حد لها.. وما دخل الفقر بيتا إلا جعله ضيقا ومظلما وتعشعش بين جنباته كل أصناف الضياع والتشتت و الحرمان ..ولقد جعل ربنا العدل في شريعتنا الإسلامية ولعل نصيب الفقراء بين أيادي الأغنياء..فإذا ما هم حرموهم عطاء هم من زكاة وصدقة ومعروف فلا شك أن الله رقيب عتيد..ويقول الله عن مانع الزكاة عنهم :“﴿ يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾
التوبة: 35]

– والفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بيوم واحد  ” وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ” جزاء لصبرهم على أوجاع وأحزان وآهات الفقر…وما أن يلج الفقير باب الجنة حتى يسأل:

– هل سبق لك أن عشت ضنكا في يوم من أيامك في حياتك الدنيا ..؟؟

– فيقول : لا  والله ربي..

-إذ ينسيه العزيز الرحيم ما عاشه من قساوة وظلم وأوجاع، وهو يجاري صيفه وشتاءه بالعراء والجوع والخوف..!!

– بلغة عصرنا، يحذف له ربنا كل ما كانت تخزنه ذاكرته من أيام شداد يأكل بعضها بعضا..

– فالفقير في يوم ولوجه الجنة ينسيه نعيمها وما تراه عينيه من مخلوقات وكائنات عجيبة وغريبة لا يتصورها عقل بشري أوجدها الله جزاء وإحسانا لمن كان له رب واحد يعلم أن الله قسم بين عباده في هذه الدنيا الفانية، الأخلاق و الأرزاق وأعطى الدنيا الدنيئة للذي يحب والذي لا يحب ، لكن الدين أعطاه سوى للذي يحب.

نتمم سردنا ونعود لتجسيد الفقر على الواقع..يحكي صديقي عبد الجبار، أن أمه قد أمرته بأن يأخذ الفطور لجارهم السيد لطرش وزوجته كنا نسميها مي لكبيرة  رحمة الله عليهما، وقد كانا شيخان كبيران في السن ، قد أخذ منهما الزمان والفقر أخذته.. وهما يسكنان في شبه بيت من تراب وحجر ، لايحميهما لا من قر ولا من حر.

أدلف بعدما دفع باب البهو الكبير وهو عبارة عن قصدير قديم مهترئ..وكان الدخان يملأ أجواء المكان،فتعجب صديقي عبد الجبار للوهلة الأولى.. وظلت عدة أسئلة تتشابك في رأسه..!!

– من أين لعمي لطرش نقودا كي يشتري لحما.؟

لكنه ما إن تقدم حتى وصل للغرفة الوحيدة التي تجمعهما و حتى سالت عيونه دمعا.. وانقبض قلبه لما رآه وشاهده وظل حدثا يعيده لذاك التاريخ البعيد وعاش ما عاشه من عقود وسنين.

– قال: رأيت مجمرا مشتعلا فيه قطعة من الشحم تذوب ودخانها يستنشقونه في انتظار المجهول وبالقرب منهما براد شاي وقطعة من الخبز..

وضع لهما الفطور وعاد أدراجه، وقد حمل صورة للفقر المدقع ،سوف لن تمحى من ذاكرته أبدا.. ويحكيها لكل صديق عزيز عليه. لأن تلك الصورة مما لا شك فيه؛ أنها أثرت فيه، وهو الطفل البرئ الصغير.. وما زال لا يعرف أشياء كثيرة عن الحياة وأوجاعها وكأني به عند رجوعه يتساءل:

-لماذا يوجد في بيتنا أكل وشرب ودهن ..خضر وفواكه شتى..؟!؟

– وفي بيت عمي الكبير لا يوجد سوى حصير وفراش بالي وإبريق..؟!؟

– ولماذا…ولماذا..ولماذا..؟

– وظلت الأجوبة معلقة حتى كبر صديقي عبد الجبار…

-ووجد الجواب ؛ولعل ذاك المنظر قد يجعل منه إنسانا يعطف على كل فقير ومسكين..ولا يبخل عن من هم في حاجة للنوال والصدقة.. ومن يرحم من في الارض يرحمه من في السماء و الراحمون يرحمهم الرحمان…

Share this content:

  • Related Posts

    المطبخ الأدبي يجمعنا،بكم وبكن..!عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم-المغرب

    الصداقة التي تدوم هي التي عادة ما تجمعنا في فضاء المطبخ الأدبي الأنيق والجميل. وذاك من أجل تهييء وجبات شهية في أغراضه المتنوعة من شعر و نثر وقصة ورواية ونقد وبتوابل من الثقافة العامة التي جمعناها عبرعمر من قراءة كتب عبر السنين. وعبر لغة رضعنا حليبها من ثدي تراثنا القديم. ومن ذاكرة زمانية ومكانية جمعتنا بوجوه ورفقة طيبة أحببناها بصدق من…

    Read more

    نص قصير :”تصوير بطل القصة في مشهده الأخير..”عبد الرحيم هريوى- خريبݣة اليوم-المغرب

    اليوم بمقهى 360 بخريبݣة عبر لحظات من التأمل وجودي في وقت من الأوقات يخرج المرء من بيته لا يلوي على شيء سوى الهروب من ضجر يحمله، وضغط وهمي يعيشه .فلا يعرف أهو من السماء آت ..أم من نمط عيش رتيب لم يألفه البثة… وهو حين يهرب هروب من يطارده السؤال الوجودي العصي على تفكيك صوره التي يتداخل فيها أكثر من عنصر في…

    Read more

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

     الحلايقي في عالم السياسةوالحلايقي الحقيقي كماعرفناه في الحلقةوتراثناالمغربي من زمان-عبد الرحيم – خريبكة اليوم -المغرب

     الحلايقي في عالم السياسةوالحلايقي الحقيقي كماعرفناه في الحلقةوتراثناالمغربي من زمان-عبد الرحيم – خريبكة اليوم -المغرب

    سِحْرُ ” لوتار”.. تِلْكَ لُغَةُ اَلْأَطْلَسِ اَلشَّامِخِ..عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم – المغرب

    سِحْرُ ” لوتار”.. تِلْكَ لُغَةُ اَلْأَطْلَسِ اَلشَّامِخِ..عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم – المغرب

    هندام السياسي ولغة الخبر…عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم-المغرب

    هندام السياسي ولغة الخبر…عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم-المغرب

    المطبخ الأدبي يجمعنا،بكم وبكن..!عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم-المغرب

    المطبخ الأدبي يجمعنا،بكم وبكن..!عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم-المغرب

    نص قصير :”تصوير بطل القصة في مشهده الأخير..”عبد الرحيم هريوى- خريبݣة اليوم-المغرب

    نص قصير :”تصوير بطل القصة في مشهده الأخير..”عبد الرحيم هريوى- خريبݣة اليوم-المغرب

    اللغة العربية اليوم في إضراب عن الطعام..عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب

    اللغة العربية اليوم في إضراب عن الطعام..عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب