للروح لغتها ؛عند القاصة المغربية سلوى إدريسي..

لغة الروح

في كل علاقة، مهما اختلفت أشكالها وتباينت مستوياتها، تظلّ الحاجة إلى قاموس مشترك أمرًا لا غنى عنه. لكن هذا القاموس لا يُبنى بالكلمات وحدها، بل تنسجه الأرواح أولاً، قبل أن تنطق الألسنة. إنها لغة خفية، صامتة، لا تُرى، بل تُشعر، يُفهم من خلالها منظور الآخر وزاويته الخاصة في النظر إلى العالم.

فمن اعتاد التأمل في السماء ليس كمن ألِف التطلّع إلى الأرض. الأوّل يسبح في فضاءات المعنى، والثاني يرزح تحت ثقل الحواس. هنا تتجلى المفارقة الكبرى: الإنسان المادي الذي يرى في كلّ ما حوله وسيلة للامتلاك، مقابل الإنسان الروحاني الذي يرى في الأشياء إشارات ودلالات لما هو أبعد وأعمق.

ذاك الذي سكن القاموس الماديّ، لا ينطق إلّا بأفعال الامتلاك والسيطرة: “أريد، أعطني، أقترب، ألمس، أمتلك…”. بينما القاموس الروحيّ مليء بكلمات لا تُقال بقدر ما تُعاش: “عطاء، صدق، عفوية، وضوح، إيثار”. في عالم الروح، لا قيمة للكلمات إذا لم تكن صدىً لتجربة داخلية صادقة.

لقاء الروح بالمادة ظلّ دائمًا لقاءً شائكًا، بل لعله من أعقد المواعيد التي عرفها الكون منذ أن تنفّس الوجود. وكل من حاول فصل أحدهما عن الآخر، عاد مكسور الجناح، مثقلاً بالخذلان. أن تحيا كروح في عالم لا يعترف إلا بالمحسوس، يشبه أن تُسجن في جسد لا يشبهك، كأنك كائن شفاف حُبس في قفصٍ من الطين، يتوق إلى لحظة الانعتاق الأخيرة… لحظة الموت.

وهكذا، تظلّ الرحلة الروحية صراعًا بين ما نلمسه وما نشعر به، بين القيد والحرية، بين الجسد والروح… وبين ما يُقال، وما يُعاش.

#سلوى_ادريسي_والي

Share this content:

  • Related Posts

    الحياة ليست عادلة، ومع ذلك ننجب.لأديبة البوغاز سلوى ادريسي والي -خريبكة اليوم – المغرب

    الحياة ليست عادلة، ومع ذلك ننجب. ليس لأننا واثقون من أن هذا الطفل سيغير العالم، بل لأننا لا نستطيع ألّا نفعل. التغيير سردية نُلصقها لاحقاً، حين نلمح بوادر تميّز لم نكن نتوقعه. والكاتب حين يطبع كتابه، يعيش شيئاً من هذه الأبوّة. هو لا يثق بالنتيجة، لكنه عاجز عن الصمت. الكتاب قد يغير العالم، قد يشوّهه، قد يُرمى في مزبلة التاريخ، قد…

    Read more

    في لحظة عابرة بين رؤيتين وبإيجاز عن المثقف والثقافة في وطننا وتدوينة للأستاذ مصطفى الإمالي -إنزكان 

    تدوينة للأستاذ مصطفى الإمالي -إنزكان  المثقف الذي ينصرف الى ابتداع الملونات البلاغية في وصف مائدة طعام أو وصف جمالية عيني حبيبة أو يتألق في رسم صورة سوريالية أخاذة فاتنة طوباوية لحالة استثنائية، منصرفا عن قضايا مصيرية راهنة لأمته، هو مجرد آلة مهينة لتمييع وضع مأزوم. المثقف الذي لا يستمد إلهاماته من واقع أمته الداخلي والخارجي هو مجرد بهلوان يتلذذ بهواجسه الذاتية…

    Read more

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

     الحلايقي في عالم السياسةوالحلايقي الحقيقي كماعرفناه في الحلقةوتراثناالمغربي من زمان-عبد الرحيم – خريبكة اليوم -المغرب

     الحلايقي في عالم السياسةوالحلايقي الحقيقي كماعرفناه في الحلقةوتراثناالمغربي من زمان-عبد الرحيم – خريبكة اليوم -المغرب

    سِحْرُ ” لوتار”.. تِلْكَ لُغَةُ اَلْأَطْلَسِ اَلشَّامِخِ..عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم – المغرب

    سِحْرُ ” لوتار”.. تِلْكَ لُغَةُ اَلْأَطْلَسِ اَلشَّامِخِ..عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم – المغرب

    هندام السياسي ولغة الخبر…عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم-المغرب

    هندام السياسي ولغة الخبر…عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم-المغرب

    المطبخ الأدبي يجمعنا،بكم وبكن..!عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم-المغرب

    المطبخ الأدبي يجمعنا،بكم وبكن..!عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم-المغرب

    نص قصير :”تصوير بطل القصة في مشهده الأخير..”عبد الرحيم هريوى- خريبݣة اليوم-المغرب

    نص قصير :”تصوير بطل القصة في مشهده الأخير..”عبد الرحيم هريوى- خريبݣة اليوم-المغرب

    اللغة العربية اليوم في إضراب عن الطعام..عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب

    اللغة العربية اليوم في إضراب عن الطعام..عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب