
ربيع الطفولة… حين كنت أطارد الفراشات
في صباحات يوم الأحد ،أو خلال العطلة الربيعية ،كنت أتحرر من قيد الدفاتر والسبورة ، وأمضي نحو حقول والدي كأنني أعود إلى عالمي الحقيقي .هناك في قلب الربيع ،كانت الأرض تفتح ذراعيها لي ، وتدعوني لأكون طفلا بلا حدود.
كنت أركض بين الأعشاب الخضراء ،أضحك وحدي وأطارد الفراشات بألوانها الحالمة .كانت تتراقص أمامي بخفة ،تقترب ثم تبتعد ،كأنها تداعب طفولتي وتعلمني معنى اللهفة دون أن تمسك ،كنت ألهث خلفها ، لا لأمسكها، بل لأعيش لحظة الجري نفسها.لحظة الحرية التي لا توصف.
وكم كان يعجبني أن أصحب معي مذياعي الصغير،ذلك الرفيق الذي يملأ الحقول بأصوات الأغاني.كنت أستلقي على العشب ،أضعه على جانبي ،وأترك الألحان تمتزج مع زقزقة العصافير وهمس الريح .كانت الشمس دافئة ، والنسيم يمر فوق وجهي فيوقظ داخلي فرحا غامضا.
حين كان الربيع يطرق أبواب قريتي ،لم يكن مجرد فصل من فصول السنة ،بل كان وعدا سريا بالحياة ،وابتسامة خضراء ،تمتد على مد البصر ،كانت الأرض التي أنهكها برد الشتاء ،تستفيق كعروس غسلت بماء المطر ، فتلبس حلة من زهر ،أعشاب تفوح منها رائحة البدايات.
وفي زوايا الحقول كانت أقحوانات بيضاء وصفراء تتفتح بخجل.كأنها قلوب عاشقة لا تعرف كيف تعترف كنت أقطف بعضها ،و أهديها للريح ، أوأضعها في كتابي المدرسي ،فتظل عالقة بين الصفحات كذكرى لا تذبل.
في تلك الحقول لم أكن مجرد طفل يلعب …كنت روحا تتعلم الإصغاء ،وتكتشف أن للحياة نغما آخر ،بعيدا عن صخب العالم هناك بين فراشة هاربة ،وأغنية حالمة ،كنت أكتب أولى سطور علاقتي بحب الطبيعة .

الأستاذ: سعيد شنيك
Share this content:





