الحلايقي في عالم السياسة، و الحلايقي الحقيقي كما عرفناه في الحلقة من زمان..!

اليوم؛الحلايقي السياسي عندنا بشعبويته ونكته وتعاويذه..أما حلايقي زماننا فكانت تصاحبه آلة الوتار ، وأهازيجه أغانيه الشعبية وحكاياته المضحكة التي يحبكها بفنية حتى تعجب المتفرجين ..!

 وهل هي بالفعل؛ صورة لشخصية الحلايقي المغربي الذي ظل من ساكنة ساحة جامع الفناء بمراكش، وقد ودعت مؤخرا الحلقة بكل طقوسها وتقاليدها، وبحثت لها عن مكانة وموقع جديدين في عوالم السياسي اليوم، بين قوسين..!

هو مجرد سؤال، نتلمس جوابه من خلال معايشتنا لواقعنا السياسي اليوم..!

لقد كان الحلايقي عندنا منذ زمان مضى، أي ونحن أطفال صغار،نتسابق في كل صباح باكر للسوق الأسبوعي في ٱنتظار الفرجة من طرف الثنائي السطاتي المعروف” قشبال وزروال” نموذجا.

الحلايقي كما نسميه بتمغربيت، ظل  يتواجد في وسط الحلقة،وخاصة بجامع الفنا بمدينة مراكش، والتي أمست كتراث إنساني عالمي،وكان عادة الحلايقي كما اعتدناه، ما يشدنا بلغته البدوية القحة،وفنه الشعبي (العيطة) وموسيقى القنبر أي لوتار، وبهلوانياته ورقصاته وحواراته وشطحاته ،لكن ظل ذلك من مميزات تراثنا الشعبي المحلي كان أو الإقليمي والوطني،كفن العيطة نفسها،و الذي توارثته الأجيال عبر المصاحبة والتدريب،وقد كان فيه نوعا من الخيال والمتعة والإبداع،وخلق الدهشة لدى المتفرج،وما تثيره الحلقة في مشاعرنا كأفراد وجماعات،وهي تنتقد بعض الظواهر الاجتماعية السلبية في مجتمعنا المغربي التقليدي، كسلطة الرجل وتجبره في الأسرة والطلاق والفقر واللباس والعبادات وغيرها..وقد يقحم الحلايقي مثلا ظاهرة الجفاف لإثارة ٱنتباه الساكنة بالبادية ،وقد كان لنا متعة لقاءات متكررة مع وجوه للحلقة مرت كخرشاش ونعينيعة، وهما يوظفان أغنية ناس الغيوان،من خلال طرحهما لسؤال على الحاضرين :

– فمن يكون هذا الذي يحوم يا ناس،أي عن ذكرهما لأغنية ” راه يحوم..”!؟! 

– فلا مجيب..!

– فيرد أحدهما باختصار على المتفرجين :

– إنه الجفاف يا إخوان،وكان ذلك يصادف الثمانينيات بحيث ضرب جفاف المغرب لم يسبق له مثيل..!

  أو يمثل أمامهم من خلال لباسه لباس المرأة والرجل.. وهو يفتعل حينما يقلد خصومة  بين الزوج والزوجة، أو حكايات العروبي لما يسافر للمدينة أو العكس حين زيارة لمديني للبادية في غياب الكهرباء والمرحاض وصنبور الماء،وتعامله الغريب مع الكائنات المتواجدة بالمحيط البدوي،وهو يكتشف عالمه الجديد، وقد يبدو له غريبا في حياته..!

 وكنا في ذاك الزمان نعايش الحلقة و الحلايقي، كفن شعبي فلكلوري وهو يجوب الأسواق والمداشر،وعادة ما تكون الحلقة مورد عيشه من خلال ما يجود به الناس بطواعية من دراهم قليلة وبحب، وهم في نشوة وهيستريا من القهقهة والضحك والتفريج عن النفس كبارا وصغارا في غياب العنصر النسوي طبعا،والذي لا مكان له في الحلقة ..!

       – واليوم ماذا وقع .!؟

 أمسينا نعايش الحلايقي السياسي عندنا بشعبويته ونكته الحامضة و تعاويذه وقفشاته و كذبه وزوره.. وهو يستغل الأجهزة الإلكترونية الحديثة من ميكروفونات وفيديوهات وشبكات للتواصل الاجتماعي و التجمعات واللقاءات الحزبية،كي يقوم بما كان يقوم به الحلايقي  في زماننا ..لكن بصورة مشوهة وبأهداف غير نبيلة، وغير معلنة، لكنها لا تخرج عن إطارها البراغماتي و تسلق  الهرم الاجتماعي، ونيل نصيبه الأوفر من الكعكة،وإعطاء صورة سوريالية لنفسه و لشخصه كزعيم وكقائد وكفقيه وكعالم وكمثقف وكسياسي محنك وكله، بالألوان الساخنة تارة والباردة تارة أخرى،وذلك حسب الظروف والمحطات السياسية والاجتماعية التي يمر منها الوطن والشعب ..!

-وهو الذي يختار لنفسه متى يقيم الحلقة،ومتى يفرقها..!

-ومتى ينادي عن أتباعه كي يبلغ رسائله المشفرة حينا والواضحة حينا آخر لخصومه المقربين والبعيدين ،وبأي لغة فكاهية للحلايقي، سيتكلم بها مع النسور من حزبه ومع أسراب الحمام هي الأخرى،ولكن التسجيل عبر الفيديو بالصورة والصوت، صار يفضح المستور،وذلك من خلال إعادة النشر عبر اليوتوب.وباقي المواقع الاجتماعية وبتقنية التركيب والتوضيب والكتابة والتعليق، أمسى الحلايقي السياسي يشاهد بأم عينيه حقيقته التي يكذبها طبعا، وهو يتابع حلقاته.. وهو الذي كان يقول كلامه بالأمس بأن هذا حلال،وكيف انقلب به الحال 180درجة ،وتحول ما كان حلال عنده بالأمس أمسى حراما اليوم،ولنا نماذج من ذلك،عبر واقعنا السياسي المعاصر،مما ساهم في زيادة منسوب الوعي السياسي والمجتمعي للكثيرين من أبناء الطبقات الشعبية الهشة والمهمشة والفقيرة التي عادة ما يتم استغلالها لأسباب عدة منها محدودية الوعي السياسي والمستوى التعليمي،وبذلك وصاروا يصنفون الحلايقية تبعا لتاريخهم السياسي المجيد وما قدموه من منجزات شاهدة على مايقولون وما يفعلون ،وصاروا بعدها لا يهتمون بحلقته وسط السوق السياسي الكبير،وذلك تحت شعار كل واحد اليوم ينفخ على خبزه، بالطريقة التي يراها مناسبة وقد تفيده  في تبييض مساره السياسي الذي يكون قد ترك جروحا ونذوبا، ستبقى شاهدة على زمانه السياسي المر، وخرجاته وعنترياته ومن لم يعجبه ما صنعت يداه فليشرب ماء البحر..!

فشتان بين شخصية الحلايقي في ذاك الزمان وهو يجوب المداشر و الأسواق كي يفرج عن نفوس البدويين، ويتقاسم معهم لحظاته الحميمية عبر منتوجه الفلكلوري، والقريب من واقعهم البدوي المنسي،وبين حلايقي سياسي جاءنا اليوم بلباسه الخفي،و همه الوحيد والأساسي في تغيير كسوته ومقججته وحاله وموقعه وصورته وسيارته وبيته وسفرياته وتجواله بالمال العام عبر العالم..!؟!

Share this content: