كتبت لكاتب وشاعر صديق وهو يخبرني أنه منكعف على قراءة نص روائي لهاروكي موراكامي الياباني فكتبت له إنه روائي ياباني بتعبيرنا المغربي” راس سوق العناوين الروائية الرائعة اليابانية وله ثلاثية قضيت معها شهورا طويلة لكنها رائعة رواية بعنوان 1Q84 إنها من أعظم نصوصه على الإطلاق ..وكأنه يعيد كتابة نص جورج أورويل 1984 بالطريقة اليابانية
يا له من إبداع أدبي كبير ..ويا له من خيال متميز وكأنك في عالم مجهول وانت تكتشفه صحبة شخصيات يابانية تحمل ثقافة أنتروبولوجية قديمة محافظة وتعرف كيف تحافظ عليها بعض الشعوب الراقية. ولعل شعب الياباني واحد منها.
وقلت إن الجزء الأول وهم المهم إنه قليل جدا في المكتبات لأنه الأضخم والأساس في بناء طبقات النص بتدرج واحترافية قل نظيرها ..
قراءة ممتعة أخي عبد السلام كشتير

رواية فيها كل الغرائب، من حيث الموضوع وطبيعة الشخوص ودورهما في مجريات أحداث الرواية، وكذا من حيث الحجم. فهذه الرواية تمتد على مساحة ثلاث كتب بسعة 600 صفحة لكل واحد منها تقريبا مما يجعل حجمها كبيرا وقد يكون الحجم احيانا مثبطا لعزيمة القاريء وحماسته في سبر أغوارها.. عكس ما قد يتبادر إلى الذهن. فما أن تنهي قراءة الكتاب الأول حتى تجد نفسك تبحث عن الثاني ثم الثالث، لغرابتها وفيض أحداثها والإثارة التي تحدثها،لأن الكاتب اعتمد على سرد مدهش وجذاب يستطيع ان ياسر القاريء كليا بأسلوب خاص حاول من خلاله إثارة قضايا عديدة في نفس الوقت ثم جعل خيوطها تتجمع رويدا رويدا مؤثثا فصولها بقضايا جديدة خيالية ، بل سريالية ومدهشة قد لا تترك الفرصة للقاريء ليستمتع بها حتى تدخله فصول أخرى في متاهات الفانتازيا والسحر والتهييج، وهي أدوات تمكن الكاتب من توظيفها توظيفا جيدا الى ٱخر فكرة. فكانت رواية عميقة ٱسرة وجذابة يجد فيها القارئ متعة لا تضاهى.
هناك من شبه رواية هاروكي IQ 84 لعالم جورج أورويل التي تحمل نفس الرمز 1984..لكن تختلف عنها من حيث طبيعة السرد والتيمات التي تناولها والتي تتأسس على رموز سريالية واخرى واقعية ..وجود عالمان، قمران ، صراع الخير والشر والحب. حيث يمثل هذا المعنى، الحب، اللحمة وسبب الوجود لأبطال الرواية .
الرواية في كنهها تدور حول أحداث صنعتها شخصيتين رئيسيتين” أومامه” التي قدمتها الرواية كمدربة رياضة التدليك وقاتلة تحت الطلب ،لكن وبالرغم من وظيفتها الثانية إلا أنها كانت بطلة محبوبة وتنجو أستاذ الرياضيات وكاتب روائي هاوي وموسيقى ..تناولت الرواية حياتهما بشكل عادي منفرد ظاهريا، لكنها متشابكة في عمق الأحداث.هذا التشابك هو ما منح الرواية قيمتها الفنية والأدبية ..لقد عاشا حياتهما كل حسب مؤهلاته وطموحاته ومدى انصهاره في عالمه المحيط به..
لكن ظهور عقدة أخرى من عقد الرواية والمتمثلة في قصة الشرنقة الهوائية التي تحكي عن معاناة فتاة مراهقة مع طائفة دينية تنتمي أسرتها إليها، والتي ألفتها بنفسها وتدعى فوكا إيري، لتصبح محور رواية هاروكي ومنتهى التقاء خيوط الرواية الأساسية مما جعلتها العمود الفقري لها، وتشاء الأقدار السردية أن ينغمس في تعقيداتها ومتاهاتها البطل تانغو…
تنطلق أحداث الرواية IQ 84 من نزول”أومامه “من سيارة الأجرة في الطريق السيار للبحث عن مخرج الإغاثة علها تصل في وقتها لإنهاء مهمة أساسية. بعدما سئمت من الازدحام المهول الذي عاشه هذا المقطع من الطريق السيار المؤدي إلى وسط طوكيو. من هنا دخلت في العالم الموازي ذي القمرين اخضر افتراضي موازي وابيض واقعي عادي.
لم تفارق خلدها الجملة التي نطق بها سائق الطاكسي الذي نقلها الى هناك الى مخرج الإغاثة بعدما تعذر الاستمرار في السير نحو وجهتها عبر الطريق السيار الممتلئ بزحمة السيارات . “إن الشكل المألوف للأشياء ربما يبدو وقد تغير قليلا، ربما تبدو الأشياء مختلفة في نظرك عما كانت عليه من قبل ولكن لا تدعي المظاهر تخدعك.. دائمًا هناك حقيقة واحدة فقط..”
من هنا دخلت عالما ٱخرا مليئا بالغرابة والرموز الغامضة والخيال..فهو عالم موازي لIQ84
خلال مجريات الرواية يصبح الصراع محتدما بين الخير والشر بين محاولة السيطرة على العقول والافراد وبين محاولة الإمساك بخيوط الواقع لمجابهة قوى الظلام وتوابعها..وطيلة صفحات الرواية يعيش القارئ تشابكا بين قصص الصراع على المواقع التي وصلتها طوائف دينية متطرفة حاولت أن تعيش خارج العالم الواقعي و تفرض أفكارها على الأتباع من خلال نبذ الواقع الذي تهيمن عليها الرأسمالية المقيتة والبحث عن الخلاص في طرق وجماعات تعيش منعزلة عن الواقع ..فيتأجج الصراع بين العالمين صراع يمتزج بالقوة والإقصاء وربح المواقع ..
تتشابك مع كل هذا قصص الحب الشيقة ومتع الحياة والبحث عن الذات.. فتتيه الشخوص و تتمازج الحدود بينها وبين الوقائع.. احيانا تبرز شخوصا غامضة تزيد من تشابك وتعقد أحداثها، ويصبح التساؤل مطروحا عن الحقيقة وحرية الأفراد واختياراتهم ..فتمتزج كل هذه الأسئلة بين الواقع والخيال.
يمثل الحب عصب الرواية وعمق مضمونها ، قصة حب نشأت بين البطلين أومامه وتنغو بعلم أو بدون علم منهما، لأن بذرتها احتوتها تربة مهجتهما منذ ان كانا في القسم الخامس الابتدائي لما لمست يده بطريقة أوقدت في حياته احساسا لم يفارقه ولم يهمله ..بل كان محفزا له ليعيش على أمل اللقاء بها ..
وقد حدث لاومامه نفس الشيء فٱمنت طيلة سنوات عمرها بوجود فارس أحلامها الذي لا تذكر منه إلا صفات قليلة، حبه الدراسة والرياضيات ولها ..طفل قوي البنية ودود يحسن التعامل مع زملائه وله مواهب متعددة إنه تانغو..لم تفقد الأمل في العثور عليه بالرغم من أن هدفها وغايتها تبدو لمن عرفها بمنتهى السريالية..عاش كل بطل حياته مليئة بالمفاجٱت والنكسات و الهواجس والوقائع الٱسرة ليكون اللقاء وليشاهدا معا القمران وتتوحد عوالمهما بعد الصعود من مخرج الإغاثة ليجدا الطريق السيار مزدحما وتنقلهم سيارة الأجرة إلى فندقهم الغريب ليدخلا مرحلة الحب الخالدة.

عبد السلام كشتير
Share this content:





