
وهو إصدار يضاف إلى رفوف المكتبة الأدبية والنقدية، وتمرين وجودي في القراءة الحصيفة، ومحاولة جريئة لاقتحام طبقات النص المتشعبة، حيث يتوارى المعنى خلف كثافته، و يتشظى إلى احتمالات تأويلية مفتوحة لا نهائية.
في “بنيات التكوثر”، لا يقرأ مجدالدين سعودي أعمال إدريس أمغار مسناوي من الخارج فقط، بل ينخرط فيها ككائن تأويلي مشبع بحسّ حدسي ورؤية استنطاقية للنص، يصغي لنبضها الداخلي، ويلاحق تحولاتها وهي تتكاثر دلاليا كما تتكاثر الظلال في مرايا اللغة، وتتناسل الإشارات في عتمة المعنى.
إن مفهوم “التكوثر” هنا لا يُفهم باعتباره تراكما كميا، بل بوصفه انبثاقا نوعيا للمعنى، حيث تتحول الكتابة إلى مجال مفتوح على تعدد القراءات، وعلى جدلية الامتلاء الدلالي والامتلاء والانفلات. ومن هذا الأفق، يغدو النص عند إدريس أمغار مسناوي فضاء تخييليا ديناميا، لا يستقر على تأويل واحد، بل يقاوم الاختزال والتثبيت القسري للمعنى، ويستدعي قارئا يقظا، مسكونا بهاجس الفهم والتفكيك والتجاوز.
الكتاب، في بنيته وتقسيماته، يعكس وعيا نقديا دقيقا، يزاوج بين التحليل المنهجي والرؤية التأملية، ويمنح لكل عمل من أعمال مسناوي استقلاله داخل شبكة كلية من المعاني. كأننا أمام خريطة سرية لإبداع متشعب، لا تُقرأ دفعة واحدة، بل تُرتّل كما تُرتّل النصوص الصوفية، بتأنٍ وانخطافٍ روحي يلامس جوهر التجربة.
في هذا العمل، يتحول النقد إلى فعل محبة، وإلى نوع من المصاحبة الفكرية التي لا تكتفي بالفهم، بل تسعى إلى إعادة خلق النص داخل أفق جديد. وهنا تكمن قيمة هذا المنجز: في كونه لا يشرح النصوص بقدر ما يفتحها، ولا يغلق دلالاتها بل يحررها من سطوة القراءة الأحادية ويطلقها في أفق التعدد.هنيئا بهذا الإصدار الذي لا يضيء نصوص إدريس أمغار مسناوي فحسب، بل يكشف أيضا عن صوت نقدي يكتب بوعي فلسفي، ونَفَس تأويلي عميق، يليق بأسئلة الأدب حين تلامس جوهرها.

Share this content:






