منذ أربع سنوات، غضبت فكتبت، فأتت هذه القراءة الرصينة من الأخ الناقد الأستاذ Ali Derouich لتترجم غضبة حروفي…في تجربة تورية لغريب….الإنسان أو نحو أفق أوسع بقلم : علي درويش مفتش تربوي سابقا.مهتم بالبحث التربوي والنقد الأدبي و الإبداع السردي ..

نص الشاعرة تورية لغريب
أنا (إنسان)
من الدرجة الرابعة
إن شئتم…
خُطّوا اسمي أسفل أحذيتكم
واكتبوا على باب زنزانتي
هنا مواطن جاحد
أثقل كاهلنا
بأنفاس الأوكسيجين
ولسعات شمس الفصول
كلما كسره الجوع
نافس قطط الشارع الضالة
واحتسى بقايا نبيذ الأسياد
أنا مواطن مهادن للأوضاع
وهاته الأرض لعنتي
أحملها منصاعا كما الرعاع
سقطت أحلامي في بئر سحيق
لم تنجُ منها إلا…
رغبة أخيرة في الرحيل
أو جواز سفر أجوب به الأصقاع
عودتنا النصوص التي قرأت للأخت تورية لغريب أن تتمركز حول الذات، أي أنها تجعل من ذاتها موضوعا تستبطنها فتعبر عما يشغلها من إخفاقاتها وأحلامها وتطلعاتها، فإذا بالنص الذي بين أيدينا يخرق هذه القاعدة، ليشغل الذات بموضوع من خارجها، و إن كان دوما في صلب اهتماماتها باعتبارها صحفية ومثقفة و دارسة لعلم النفس.
إنه موضوع نص بلا عنوان، لإنسان بلا عنوان ، إنسان فاقد لحقه في إنسانيته.
و لتشكيل فرضية القراءة ، نأخذ جملة الاستهلال :
أنا ( إنسان)، ثم جملة الختم :جواز سفر أجوب به الأصقاع.
سنلاحظ إذن أن وضع الخبر (إنسان) بين هلالين (..) يلمح إلى أن هذه الصفة ( إنسان) لم تثبت بعد، لنفهم من جواز السفر ، أنه سفر بحث عن هوية أو قل : عن وجود حقيقي ..لماذا؟؟
الجواب، يلزمنا بأن نستنطق المتن الذي يتوسط الاستهلال و الختم.
سنجد ملامح الذات التي يحيل عليها الضمير المنفصل “أنا” ( تركيبا وواقعا) قد بدأت تتضح بدءا من جملة: ( من الدرجة الرابعة ، مشروطة ب شئتم) ، هو إذن خارج التصنيف الذي وضعه الذين صنفوا بني الأرض إلى طبقة أولى و ثانية و ثالثة، فما المانع أن تشمل مشيئتهم طبقة رابعة أيضا لأمثاله؟؟ ستحدد بقية أسطر النص ملامحها ( كرامته مداسة، عبء، خارج الحسابات في مخططاتهم التنموية، منزو في زنزانة التهميش، خاضع، خانع، موجود بلا وجود كعارٍ يُنتظر أن يُتخلص منه، ليس له إلا رغبة في أن يسافر بحثا عن إنسانيته أو قل عن نفسه).
و بالعودة إلى النص سنلاحظ أن القاموس المستعمل يمتح دلاليا من حقل سوسيو-سياسي socio-politique. ( الدرجة- زنزانة- مواطن- الجوع- الأوضاع..).
و في ذلك ما يُمكٌِن من القول إن العامل السوسيو-سياسي ، هو الذي أوصل شريحة من الناس، إلى أن تعيش بلا إنسانية، فتقضي حياتها باحثة عن نفسها، باعتبارها إنسانا، ولعل في طبيعة الأسلوب المستعمل ( تقريري هو أم تصويري انزياحي) ما يدحض هذه الفرضية أو يؤكدها أكثر، والملاحظ، خلافا، للنصوص سابقة، الحافلة بالخيال الجامح والصور الموحية، فإن هذا النص تلفه مسحة تقريرية، وإن تخللته صور، فهي قريبة المأخذ واضحة الدلالة ، تعتمد أساسا المجاز من استعارة ( لسعات شمس- سقطت أحلامي.. ) ، مع بعض الكنايات ( أسفل أحذيتكم ( عناية عن الاذلال) أنفاس الأكسجين ( كناية عن مجرد الوجود)، لكن اللافت هو بعض الرموز ذات الجذور الدينية ( في بئر سحيق ( قصة يوسف)) أو الأسطورية ( أحملها منصاعا ( سيزيف)).
بل حتى الإيقاع انصاع لضغط الواقع، فلم يَرِد الروي إلا في ( شئتم/ أحذيتكم- الأوضاع/ الرعاع/ الأصقاع)، مع غلبة لحروف الجهر، في دلالة على رفع الصوت جهرا بالحق (ع، ر، ب..)..
لكن الخاصية التي تظل مميزة لكتابات تورية لغريب هي البنية الأسلوبية المشكلة من جمل متحررة بسيطة غير معقدة، متوازنة، متساوية الهياكل..، مما يجعلها وفية لأسلوبها السهل الممتنع الذي يفيض عذوبة.
يمكن الاستنتاج إذن أن النص يتناول موضوع الإنسان المستعصي على التصنيف الطبقي، الانسان الذي يقضي حياته بلا إنسانية معترف بها، حالما بأن يجد هوية الإنسان فيه، وبالتالي فإن هذا الموضوع المقتطف من أعمق أعماق الواقع، فرض على المبدعة أن تنزل إلى أرض الواقع بدل أن تحلق في أجواء الخيال ،فأبانت عن رؤية عميقة للظاهرة موضوع النص مستفيدة من تجربتها الصحفية ودراستها لعلم النفس وتألقها ابداعيا…
متمنياتي لها بدوام التألق..

Share this content:






