قراءة أدبية : الشاعرة تورية لغريب تتواجد كظلال خفية خلف قصائدها…عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب  

يقول القارئ المغربي عبد الفتاح كيليطو في تحفته الأدبية” الأدب والغرابة” وهو يسائل كل الأقلام التي تخوض في القصيدة الشعرية بدل صاحبها الشاعر وهو يعتبر بطريقة من الطرق le souffleur والحاكي والسارد والراوي أي الشاعر في تاريخ الشعر..لقد كتب الكثير عن الشعر العربي القديم ،إلا أن هناك ميدانا ما زال ينتظر من يدرسه،وهذا الميدان هو الشاعر.لاشك أن القارئ قطب ويقول: كل دراسة حول الشعر تتضمن نبذة من حياة الشاعر وتحاول اكتشاف علاقة الشاعر وإنتاجه…والشاعر ينطق بالشعر للتعبيرعن نفسيته ومتطلبات الزمن الذي يعيش فيه.

اليوم نخوض مع الشاعرة المغربية تورية لغريب صاحبة ديوان شعري”في الشارع المقابل لجرحنا القديم ،إذ أن العنوان يوحي للقارئ بارتباطه بذاكرة زمانية ومكانية للشاعرة ،وهي التي نجحت في اختيار عنوان لديوانها الذي سوف يحمل من ظلال حياة الشاعرة عينها ما فيه الكفاية..وكلما مررت على قصائدها المنشورة عبر موقع التواصل الاجتماعي قرأت حياة شاعرة تمتطي قصائدها التي تحلق بها في فضاءات تلمح عبرها عن أحاسيس ومشاعر كثيفة بين ألفاظها وكأن قصيدتها تمتلك جناحين في صورة هدهد مملكة سبأ يأتيها بأخبار عبر أجنحةٌ حلمٍ طويل  لتروي عن سيرةَ غِبطةٍ مُترهّلة..

لا يوجد نص بكر بل كل نص هو ٱمتداد لنص قبله ” باخثين فيلسوف ولغوي ومنظر أدبي روسي (سوفييتي) والنصوص تحمل خيالاتنا ..آهاتنا..كدمات الحياة على صدورنا ..أحزاننا أوجاعنا انتظاراتنا آمالنا المؤجلة..لذلك نحن لا نقرأ النص الشعري عبر صوت من كلمات بل نقرأه ككثير من الصور من مسلسلات متشعبة من هذه الحياة سواء من خلال الرموز اللغوية أم عبر ثقافة لغة الشعر..والنص الشعري كأي نص آخر؛ فهو يحمل خطابه الظاهر والمستتر للقارئ عينه وللآخرين..إذ يريد النص أن يبوح لنا بأسرار ودلالات من معاني وأوصاف وتشبيه واستعارات بلاغية .لكن بوجود ذكاء القارئ ودهائه قد يجعله يفهم الخطاب المدفون في جوفه وهو يعيد قراءة النص الذي شده إليه ..

ولنا هذا النص النثري الذي طل علينا في هذا الصباح عبر السوشيال ميديا، كي يحمل على عاتقه ظلال حياة شاعرة مغربية ألفت اللعب باللغة وجعلها كعجين يتلوى بين أصابعها كي تصنع منها ما تشاء من أجراس للكلمات. وكأني بها تشبه الخزفي الذي يحول الطين إلى حياة.هذا نص شعري قصير، لكنه في جانب السرد الشعري له أبعاده وٱتساعه وعمقه في المعاني والدلالات اللغوية والتعبيرية.فحين تكتب الشاعرة تورية لغريب بدون عنوان ولا مقدمات ..وتبدأ بالاستعارات، فذاك دليل قاطع على أنها لا تهتم بضيق العبارات،لأن معاني الكلمات تتخذ صبغة كبرى لدى من ألف تفكيك الرموز والمعاني والبحث عن روح اللفظ ومعناه وهو يعبر لأقصى ما يمكن من الفهم العميق للنص على حد قول ابن الرشيق .

نحن في فترة الصباح بل في كل صباح جديد في حياة الشاعرة ،وهي تعيش كي تتنفس عبير الكلمات ،لذلك تحمل ذاك الصباح مسؤولية العبور والسفر عبر الزمان ،وأعطت عبر خيالها الممتد لهذا الصباح صورة كائن سوريالي بأكتاف ، وللحلم أجنحة عبر تأمل فلسفي وجودي يعكس الخيال عبر انعكاس للواقع البعيد في ما تحمله الذاكرة من أحداث وأمكنة وأشخاص..لذلك؛كان لا بد بأن تجعل من الصباح كائنا منقذا لصورة الحلم عبر صورجمالية بلغة الشعرالحديث. وذاك الحلم الطائرعبر أجواء الشاعرة التي تعلمها كما تعلم نوع الحلم وٱسمه وهويته وسيرة حياته..وهي تحمله بين جوانحها.. وفي لحظة ما قد حلق  في سماء قصيدتها كي ينزل على أكتاف الصباح.. ولكي يروي ما يرويه عن سيرة غبطة مترهلة والتي لا تحمل تلك النشوة والمتعة النفسية المراد منها أن تحققها الذات الشاعرة لديها.إذ أنها ستفصح أكثر عبر صور شعرية، لأصابع يد تخيط جسد حياة سوريالية -عبثية.إذ أنها تحتمي بقبعة.. وهذا دليل آخر على أن المدلول البعيد للنص الشعري يأخذ أشكاله عبر التأمل الباطني للذات في صنف أحلام الحياة تلك عبر تعبير فلسفي تجريدي عميق وبٱستعمالها لرموز أشياء بسيطة لا تحمي جسد حياة الشاعرة والذي تطلب غيرها أشياء كبرى قادرة على حماية جسد حياتها .لذلك؛ف لا بد أننا عبر نص نثري رائع وممتع وفيه كثير من الإبداع الفني في مجال الكتابة الشعرية ونحن إذ نعيش في بناء نسق سردي شاعري متدرج  يوصلنا إلى نهاية  جسد تلك الحياة المكشوفة في غياب الحلم الطويل .

إنه نص قصير في عدد الكلمات كثيف في المعاني والدلالات ،ويبدو أن الشاعرة تورية الغريب لها من المؤهلات والدربة في بناء قصائدها بشكل ممتع للغاية إذ أنها تحمل ثقافة اللغة مما يجعلها من الشواعر والشعراء الأكثر تلاعبا باللغة حينما يتم توظيفها في نصوص شعرية ومع توظيف البلاغة اللغوية في جانبها التصويري المشتبع بالاستثمار في جملة من الألغاز والرموز والتشبيهات والاستعارات ..

Share this content:

  • Related Posts

    الشاعرة المغربية زهرة أحمد بولحية في محراب قصيدة الصمت..عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم – المغرب

    الشاعرة المغربية زهرة احمد بولحية تبحث لها عن خيالات بعيدة؛ تتراءى لها..هي عبارة عن أشباح من الصور إذ ترمي بها في كنف قصيدتها وبكل عنفوان يظهر جسدها كي يجاري زمنها المفقود إذ تعيده على عتبات كلمات شاهدة على صمتها المطبق.. -فكيف اختارت لنفسها هذا التحدي الأسطوري وجعلت من الضوء منفذا لصناعة أحلام جديدة يتلمسها خيالها الشعري ، كي يجعل من ذاتها…

    Read more

    الرواية اليوم؛ أمست مرآة لشعوب العالم ،وذاك ما ذهب إليه الكاتب والإعلامي عدنان ياسين في نصه “هوت ماروك” عبد الرحيم هريوى- خريبكة اليوم – المغرب

    وبعدما أنهينا فصول الرواية المغربية للأديب ياسين عدنان «هوت ماروك» وقد قضينا مع فصولها شهورا لحجمها الكبير،و لنا اليوم قراءة أدبية وفنية خاصة لها، كي نحيطها من جوانب خفية،ربما لم تنل حظها في الاستكشاف والقراءة من اليسار إلى اليمين والإنصات للنص عن قرب وعن بعد كما عبر عن ذلك عبد الفتاح كيليطو. وعن طريق تضارب الأفكار من طرف الأقلام النقدية تتجلى…

    Read more

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    ولنا في النهاية بيت بدون أبواب..ولنا لباس بدون أكمام..عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم – المغرب

    ولنا في النهاية بيت بدون أبواب..ولنا لباس بدون أكمام..عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم – المغرب

    “فأنت لا تفهم مشاعرالمرأة يا ٱبن أمي وتدعي أنك روائي..!!”عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم- المغرب

    “فأنت لا تفهم مشاعرالمرأة يا ٱبن أمي وتدعي أنك روائي..!!”عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم- المغرب

    نحوقمة النجاح في هذه الحياة لا ينبني على الغش، ولا على غياب تأنيب الضمير..القلم المحلي لطيفة لبريز- خريبكة اليوم – المغرب

    نحوقمة النجاح في هذه الحياة لا ينبني على الغش، ولا على غياب تأنيب الضمير..القلم المحلي لطيفة لبريز- خريبكة اليوم – المغرب

    قراءة أدبية : الشاعرة تورية لغريب تتواجد كظلال خفية خلف قصائدها…عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب  

    قراءة أدبية : الشاعرة تورية لغريب تتواجد كظلال خفية خلف قصائدها…عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب  

    «حياتنا ما تبقى من أحلام الغد..!»عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم – المغرب

    «حياتنا ما تبقى من أحلام الغد..!»عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم – المغرب

     الزفت الأسود في المزاد العلني للأصوات..عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم -المغرب

     الزفت الأسود في المزاد العلني للأصوات..عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم -المغرب