الشعر في الرؤية دلالة، وفي الفتوى حذر
صلاح بوسريف عند معنى قصيدة “أهراءُ نملٍ جائعٍ”
نعيم عبد مهلهل
((الرِّيشُ تَنَاثَرَ زَغَبُهُ، وَمَا عَادَ طَائِرٌ
يُحَلِّقُ بِمَحْضِ جَنَاحَيْهِ،
فِي ذَلِكَ الأُفُقِ الَّذِي صَارَ حُلْمًا بَعِيدًا
بَعْدَ أَنْ كَانَ البَيْتَ وَالمَأْوَى
ــ لَا
تَتْرُكْ رِيشَكَ يَنْفَرِطُ مِنْكَ.
صُنْ زَغَبَهُ.
مَا أَنْتَ فِيهِ اليَوْمَ، قَدْ لَا تُدْرِكُهُ بَعْدَ حِينٍ.)) قصيدة “أهراءُ نملٍ جائعٍ”
((لا تحزن. كل ما تفقده يعود إليك بشكل آخر))
جلال الدين الرومي
((قد لا نبلغ المستحيل، ولكنه يفيدنا كفانوس)).
الشاعر الفرنسي رينيه شار
((ألا تصدّقينني؟
يا موهومةُ
يا نسّاءةُ
يا جوعانةُ
هذا ليس بسحرٍ.. هذا خبز..
لستِ تتذكّرينه؟
فلتهجّيه إذًا:
خاء باء زاي.))
الشاعر عبد الزهرة زكي في قصيدة “هذا خبز”.
10
الوارد الرابع
ــ الطير لا يتكلم، ولكن طيرانه لغة لا يفهمها إلا الذين يمتلكون كتاب السماء في مكتباتهم، وقرأوه أكثر من مرة واستوعبوه. ــ
“الشعر في الرؤية دلالة، وفي الفتوى حذر”
هذا عنوان مقالة القصيدة العميقة التي ندرسها عبر فتوى الشعر التي تجيز لنا وضع احتمالات القراءة والقصد والتصور والافتراض. وربما يُسيرنا سيرُ هذه الدراسة إلى صحة ما نفتي به بالقول: إن الحذر واجب حين تشعر بأن القصيدة تمشي على حبل في فضاءات التخيل والتأملات، وأن من تتحدث إليه فيها روحٌ صعبة حين ترى العالم وتقول عنه شيئًا. لهذا اخترتها “القصيدة” لتكون وحدها مادة لرؤاي في هذا الكتاب وفي بابه العاشر.
في قول لواحد من أبطال رواياتي يقول: النمل مثل البشر يعرفون حاجة الخبز قبل أي حاجة. وحين قرأت ما قرأت في الصوفية عرفت أن الصوفية مثل أصحاب سجدات الصلاة الحقيقية يعرفون الله أولًا. ولكنهم في تلك المعرفة يريدون الإيغال في الاقتراب، ومتى سكنهم اليأس من نيل تلك اللحظة، ذهبوا إلى إشراقات روحانية وجمالية واستشرافية يلوذون معها إلى جهة أحلامهم، فيحدثوننا بلغة المعلمين ليدربوا أرواحنا على نيل الصفاء بالعشق أو ذكر الله أو بعزلة التأمل.
ومن يقرأ تلك الروحانيات الهادئة التي يسجلها لنا الشاعر صلاح بوسريف وهو يحدث معلميه من سدنة وأساطين الصوفيين، سيكتشف أن الشاعر تعشق بما قرأ ونال من هاجس رغبة الحديث معهم في المنادمة والمشاورة وطلب الود الكثير. لقد جعل قصيدته جسرًا من الضوء والكلمات والمعنى بين موهبته واللحظة التي ترتدي الصوفي “التبريزي” وهو في مكان قعدته، التكية أو قرب محراب صلاة أو في حديقة مزهرة أو ناصية طريق. ومنهم يكتسب النصيحة ويحولها إلى رؤية شعرية أو صورة أو يثبتها على جنح طير ويدعو الآخرين لقراءتها وبحرية، ولهذا كان حديث الطير وما تعنيه رغبة المبتهج لينال من الطيران مرامه هو سعي لإثبات أن الحرية قد يتم الحصول عليها بالتأمل قبل أن نحصل عليها بالسيف.
غير أنني في رؤيا هذه القصيدة “أهراء نمل جائع” أميل إلى تفسير الحصول على الحاجة عبر مشاعر الجوع، وإدراك صورة أهراء النمل جزء من ميكانيكية الحركة الهادئة والبطيئة في الحصول على الشيء، وهو ما يفعل النمل للحصول على قوته، وما يفعله الصوفي للحصول على الضوء والمعرفة، وهما يتبران من أساسيات حاجته، حيث رغبة إشباع الروح عنده قبل رغبة إشباع البطن.
وصورة “ما أنت فيه اليوم قد لا تدركه” إلا عبر إظهار ما تعتقده مفسرًا. وقد تختلف مع صلاح أو تتفق، فإني أرى في القصيدة بعض الحديث عن الجوع. الجوع إلى نيل بهجة الكلمات ومنادمة الطير، أو الجوع إلى الخبز عبر صورة النمل وهو يحصل على قوته. وبعيدًا عن قصدية بوسريف وعمل تناول مشهد أهراء النمل، تثريني القصيدة بالوصول إلى قراءة ما كنت أحسه مع الجوع عبر مدارك الروح والبطون، وأستعيد نصًا شعريًا مثيرًا للشاعر الفرنسي بيير جان جوف يقول فيه: “الجوع قاسٍ كالنساء العاريات”، فأعيش خاطرة من رؤيا قد لا تشبه ما يراه الشاعر في رؤيا قصيدته، وأذهب إلى صورة الجوع معي، ولا أقاربها مع منطلق لغة الطير وخواطره مع الصوفي وهو يتأمله طائرًا في السماء. عندما أتذكر تلك الليالي أُساق إلى هاجس الاحتفاء بالرغبة، إلى أن أنصب نفسي ملكًا على الجهات الأربع، ومع الحلم أدفن رأسي في الغطاء القطني القديم المليء برائحة يوريا التبول، وأفترش سجاجيد التمني كما تفترش الحمامة باطنها لذكرها المتعالي.
تسير كلمة الجوع مع حافلة التاريخ بموازاة منتظمة، ويبدو أن ألفة وصحبة حميمية تجمع بينهما. وحين تقرأ في أصول الهجرات الشعوبية ترى أن الجوع هو وحده من قادها إلى الأمكنة الجديدة، ويبدو أنه سبب رئيس لفكرة الغزو قبل أن تكون فكرته طمع الملوك والرغبة بتسلط القوي على الضعيف أو لنشر مبادئ رسالة ما. فطالما تقرأ في الميثولوجيا العالمية والمحلية ولادات خارقة أتت بفعل جدب ما، أو أن حافز الحصول على الغذاء هو الدافع لإرسال وهم المخلص كي يجلب معه الرخاء.
لكن الجوع في الصوفية يختلف عن رؤيتي، ويعيش هنا في التعامل الروحي لدى بوسريف مثل منطق تنامي الإلهام الذي يعتمد على جعل الكلمة مطابقة للإحساس. والإحساس هنا جدلية الرؤية في تفسيري وليس في تفسير الشاعر، عبر علاقة الطير بحبة القمح، وفي صورة أخرى رغبة النمل في ادخاره لجوع الشتاء الطويل.
هذا إحساس الشعر تعبر عنه روح الإنسان بشيء من قراءة الحال، والحال يُقرأ عندما نبغي الوصول إلى المنال. وهو ذاته مكرر في نداءات طقوسية وروحية، كما عند المسيح وهو فوق الصليب، وموسى فوق جبل سيناء، ويعقوب في دمعته من أجل يوسف، وأيوب في صبره بتحمل ألم تقرحات جسده. رؤى مستلة من حاجة الإنسان لجهة يستغيث عندها، وأبو سريف في قلقه ومحنته واستنكاره وغضبه يستغيث عند القصيدة عندما لا تعجبه في هذا العالم مشاهد ينقلها التلفاز كحروب الدبابات وقتل البشر، ومرات يراها بعينيه من يطلبون الخبز على أرصفة شوارع المدن، فيلوذ بدهشة الصوفي مع نفسه وعلى أجنحة طيور متصارعة على قوتها أو فسحة في فضائها، فيشهر بيان الجزع في هذا النص العميق الذي أفردت له رؤية خاصة به، مدركًا أن النص يحتوي قصة لخليقة التعامل برؤية صوفية مع المحيط وتفسيره بلغة العارف والرائي والمدرك. شيء من نصيحة روحانية لا أعرف إن كان يتلقاها من معلمه التبريزي، أو هو يطلقها في خيال الانتماء إلى هكذا سدنة ممن يصنعون لنا من ضوء نظراتهم أجنحة للطيور وأرغفة خبز وآيات النحل وقصصها.
نص بتجربة عميقة قد لا نبلغ به المستحيل من أجل فانوسٍ ينير به ظلمة ما لم نعد نراه بسبب هذا الهوس الحضاري الذي تفقد فيه الحكمة معه، وبدلها تجلس على وجوه مذيعي نشرات الأخبار أرائك خطابات الأمم المتحدة وأصوات صواريخ التوماهوك. لهذا فإننا نرى بوسريف كما أولئك الذين قرأنا عن حكاياتهم الصابرة في الكتب والرقم الحجرية للميثولوجيا يبحثون عن أطياف طائرة تذهب بهم إلى المكان النقي، على أن تبقى معهم إرادة النمل وصبره:
((مَا انْفَطَرَتْ رُوحِي إِلَّا لِرُؤْيَةِ طُيُورٍ
تَأْكُلُ بَعْضُهَا مِنْ شِدَّةِ مَا تَنَازَعَتِ
الرَّغِيفَ وَبَقَايَا حِنْطَةٍ جَرَفَتْهَا الرِّيحُ
صَوْبَ أَهْرَاءِ نَمْلٍ جَائِعٍ.)) قصيدة “أهراءُ نملٍ جائعٍ”
فوبرتال 20 ابريل 2026

Share this content:






