ربيع الطفولة- حين كنت أطارد الفراشات بلغة الأدب الرقيق الشفاف والسهل على الهضم يتحفنا الأستاذ شنيك سعيد القلم المحلي بهذا العنوان ..خريبكة اليوم -المغرب

ربيع الطفولة… حين كنت أطارد الفراشات

في صباحات يوم الأحد ،أو خلال العطلة الربيعية ،كنت أتحرر من قيد  الدفاتر والسبورة ، وأمضي نحو حقول والدي كأنني أعود إلى عالمي الحقيقي .هناك في قلب الربيع ،كانت الأرض تفتح ذراعيها لي ، وتدعوني لأكون طفلا بلا حدود.

كنت أركض بين الأعشاب الخضراء ،أضحك وحدي وأطارد الفراشات بألوانها الحالمة .كانت تتراقص أمامي بخفة ،تقترب ثم تبتعد ،كأنها تداعب طفولتي وتعلمني معنى اللهفة دون أن تمسك ،كنت ألهث خلفها ، لا لأمسكها، بل لأعيش لحظة الجري نفسها.لحظة الحرية التي لا توصف.

وكم كان يعجبني أن أصحب معي مذياعي الصغير،ذلك الرفيق الذي يملأ الحقول بأصوات الأغاني.كنت أستلقي على العشب ،أضعه على جانبي ،وأترك الألحان تمتزج مع زقزقة العصافير وهمس الريح .كانت الشمس دافئة ، والنسيم يمر فوق وجهي فيوقظ داخلي فرحا غامضا.

حين كان الربيع يطرق أبواب قريتي ،لم يكن مجرد فصل من فصول السنة ،بل كان وعدا سريا بالحياة ،وابتسامة خضراء ،تمتد على مد البصر ،كانت الأرض التي أنهكها برد الشتاء ،تستفيق كعروس غسلت بماء المطر ، فتلبس حلة من زهر ،أعشاب تفوح منها رائحة البدايات.

وفي زوايا الحقول كانت أقحوانات بيضاء وصفراء تتفتح بخجل.كأنها قلوب عاشقة لا تعرف كيف تعترف كنت أقطف بعضها ،و أهديها للريح ، أوأضعها في كتابي المدرسي ،فتظل عالقة بين الصفحات كذكرى لا تذبل.

في تلك الحقول لم أكن مجرد طفل يلعب …كنت روحا تتعلم الإصغاء ،وتكتشف أن للحياة نغما آخر ،بعيدا عن صخب العالم هناك بين فراشة هاربة ،وأغنية حالمة ،كنت أكتب أولى سطور علاقتي بحب الطبيعة .

الأستاذ: سعيد شنيك

Share this content:

  • Related Posts

    نعم، نتغير مع الزمن…هذا ليس دائما خيارا..عبر تدوينة قصيرة كنص بكر للشاعرة المغربية تورية الغريب في سؤال وجودي للذات..خريبكة اليوم – المغرب

    نعم، نتغير مع الزمن…هذا ليس دائما خيارا بل ضرورة لتجاوز الأوقات الصعبة، قد نكتب كثيرا بحثا عن الخلاص، وقد ننجح في تحقيق حلم مؤجل، كل هذا يمكن الوصول إليه بالتحايل على حياة تستعصي فيها الأشياء الجميلة، لكن الجسد، هذا الوعاء الذي يحملنا ويتحمّلنا طويلا، صاحب الذاكرة الأقوى التي تحفظ تاريخ الأحداث، سرعان ما يشي بضراوة الطريق إلى الذات، إنه العلبة السوداء…

    Read more

    قد يتحول فضاء سطح بيوتنا لمحراب أديب أو شاعرة..عيون على حائط الفيس بوك..عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم- المغرب

    قد يصبح السطح مكانا آمنا للحقيقة النفسية، ولا أقصد ما كان يرمي إليه Gilles Deleuze عندما أعاد الاعتبار لمفهوم السطح بوصفه فضاءً تتحرك فيه الرغبات والمعاني والأحداث، بل أقصد ذاك الجزء المعلق بين السماء والأرض، ذاك الحد الفاصل بين الحميمي والمكشوف في مكان إقامتي. علاقتي بسطح البيت، تختلف كثيرا عن علاقتي بسطح الأشياء. منذ أكثر من عقد من الزمن، اخترت هذا…

    Read more

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    الثقافة المغربية بين محجتين: ثقافة الإكليروس وثقافة رقمية جديدة من وراء حجاب إلكتروني..! عبد الرحيم هريوى- خريبكة اليوم – المغرب

    الثقافة المغربية بين محجتين: ثقافة الإكليروس وثقافة رقمية جديدة من وراء حجاب إلكتروني..! عبد الرحيم هريوى- خريبكة اليوم – المغرب

    إنه الختم ما قبل الأخير للشاعر المغربي أحمد نفاع..خريبكة اليوم -المغرب

    إنه الختم ما قبل الأخير للشاعر المغربي أحمد نفاع..خريبكة اليوم -المغرب

    كم مرة يراك الشعراءوأنت تموت واقفا..؟!؟ عبد الرحيم هريوى – خريبݣة اليوم – المغرب

    كم مرة يراك الشعراءوأنت تموت واقفا..؟!؟ عبد الرحيم هريوى – خريبݣة اليوم – المغرب

    العابرون على صورة امرأة بكلمات عابرة..عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم- المغرب

    العابرون على صورة امرأة بكلمات عابرة..عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم- المغرب

    نعم، نتغير مع الزمن…هذا ليس دائما خيارا..عبر تدوينة قصيرة كنص بكر للشاعرة المغربية تورية الغريب في سؤال وجودي للذات..خريبكة اليوم – المغرب

    نعم، نتغير مع الزمن…هذا ليس دائما خيارا..عبر تدوينة قصيرة كنص بكر للشاعرة المغربية تورية الغريب في سؤال وجودي للذات..خريبكة اليوم – المغرب

    جروح خلف باب الزمان..عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب

    جروح خلف باب الزمان..عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب