#مرَّ أمامي وهو يكيل لابنه سيلا من الشتائم. كان الأب في الخلف، والابن في الأمام، يمشي بخطوات بطيئة، مطأطئ الرأس، حتى خُيّل إليّ أن عنقه صار عاجزا عن حمل كل ذلك الثقل. شعرت أن الفتى، لو وجد موضعا يختبئ فيه تحت التراب في تلك اللحظة، لاختاره من دون تردد. تمنى، في تلك الدقيقة، أن تنشق الأرض وتبتلعه، بعيدا عن نظرات الناس، وبعيدا عن الكلمات التي كانت تتساقط عليه كالحجارة…
بدا لي أن الأب كان يوبخه لأنه لم ينجح في امتحان البكالوريا. كان صوته مرتفعا، متقطعا من شدة الغضب، والشتائم تتوالى واحدة تلو الأخرى، حتى وصلت إلى كلمات لا تغادر الذاكرة بسهولة. “رأس حمار” “يا كلب”… كلمات خرجت من فمه، ثم ظلت معلقة في الهواء، بينما استقرت في صدر الفتى مثل قطعة حديد ساخنة…
كان ذلك المراهق يسير صامتا. الصمت أحيانا يروي من الحكايات أكثر مما ترويه الخطب الطويلة. ملامحه كانت تخبرك أن في داخله جروحا قديمة، وأن هذا التوبيخ لم يكن الأول، وأن ذاكرته تحفظ أصواتا كثيرة ارتفعت في وجهه كلما تعثر، وكلما أخطأ، وكلما عجز عن الوصول إلى ما ينتظره الآخرون منه.
كان يرتدي لباسا رياضيا أبيض يحمل اسم لاعب كرة قدم. بدا اللون الأبيض باهتا، كأن الغبار الذي التصق به لم يكن غبار الطريق، انما غبار الأيام الثقيلة. حتى ذلك القميص الذي يلبسه كثير من المراهقين بفخر، فقد شيئا من بهجته تحت وطأة الكلمات القاسية. الملابس أحيانا تحتفظ بذكريات أصحابها، وذلك القميص سيظل يذكره، كلما أخرجه من خزانته، بذلك اليوم الذي سار فيه ورأسه منحن، وقلبه يضيق أكثر مع كل خطوة.
كان الأب ينهمر عرقا. ربما حمل في داخله تعب سنوات طويلة، واستيقاظا مبكرا، وساعات عمل أنهكت جسده، وأحلاما كبيرة رسمها لابنه. ربما رأى أن جهده كله تبخر في ورقة امتحان لم تحمل النتيجة التي كان ينتظرها. الإنسان حين يثقل صدره التعب قد يعجز عن التمييز بين العتاب والإهانة، فيخرج الغضب على هيئة كلمات لا يمكن استرجاعها بعد أن تغادر الفم…
الكلمات لا تختفي. تمضي السنوات ويبقى صداها.
هناك شتائم لا تنتهي بانتهاء الموقف. تتحول إلى صوت داخلي يسكن الإنسان، يعيد ترديدها كلما وقف أمام تجربة جديدة، وكلما أراد أن يبدأ شيئا، وكلما فكر في أن يحلم.
يصبح الإنسان خصما لنفسه.
يقف أمام المرآة فيسمع الأصوات القديمة.
يجلس ليذاكر فتعود إليه.
يكتب، فيمزق الورقة قبل أن يكملها.
يحاول، ثم يتراجع.
يتمنى، ثم يخاف.
يصير الفشل احتمالا يطارده حتى في الأشياء التي لم يبدأها بعد.
هناك أطفال يكبرون وهم يحملون داخلهم قاضيا لا يرحم، يحاكمهم كل يوم، ويصدر ضدهم أحكاما قاسية، لأن أحدا زرع ذلك القاضي في أرواحهم منذ سنوات. كل تعثر يتحول إلى دليل إدانة، وكل خطأ يصبح برهانا على أنهم لا يستحقون المحاولة.
وما أقسى أن يعيش الإنسان عمره كله وهو يجلد نفسه بنفس العبارات التي سمعها صغيرا.
كانت عينا الفتى حمراوين. لم أدرِ إن كان قد بكى قبل قليل، أم أنه كان يقاوم دموعه أمام الناس. الألم النفسي يختار مكانا لا يراه أحد. يختبئ في الداخل، ويواصل عمله في صمت. الجرح في اليد يلتئم، والجرح في القلب يحتاج أعواما طويلة حتى يهدأ، وقد يبقى مفتوحا إلى آخر العمر.
الفشل الدراسي يحمل فرصة جديدة. يمكن إعادة الامتحان، ويمكن تغيير المسار، ويمكن اكتشاف موهبة أخرى، ويمكن أن يفتح القدر بابا لم يكن في الحسبان.
أما الإنسان الذي يفقد ثقته بنفسه، فيحتاج رحلة أطول بكثير حتى يستعيدها.
الثقة حين تنكسر، يصبح جمع أجزائها شاقا.
تأملت المشهد طويلا، فعادت بي الذاكرة إلى سنوات مضت، إلى تلك الأيام التي كنا نحاسب فيها أنفسنا بقسوة لا تناسب أعمارنا. كنا نؤنب ضمائرنا بسبب إخفاق صغير، ونحمل فوق أكتافنا أوزانا لا يفرضها علينا أحد سوى خوفنا من الخيبة. مرت الأعوام، واكتشفنا أن كثيرا من تلك الهزائم كانت عابرة، وأن الزمن تجاوزها، وأن الدنيا لم تتوقف عندها، وأن الحياة واصلت السير، بينما بقيت آثار جلد الذات كامنة في الأعماق...
لو عرفنا يومها أن الكلمات التي نقولها لأنفسنا ستتحول إلى ندوب، لاخترنا الرحمة بدل القسوة.
الحياة لا تمنح أحدا طريقا مستقيما. كل إنسان يحمل في سيرته سقوطات صغيرة، وانكسارات، وأياما ظن فيها أن الأبواب أغلقت، ثم استيقظ بعد مدة ليجد بابا آخر قد انفتح من حيث لا ينتظر.
ذلك الفتى كان في بداية الطريق. العمر أمامه ما يزال طويلا. سنة دراسية لا تختصر قيمة إنسان، وورقة امتحان لا تروي حكايته كاملة، ونتيجة واحدة لا تستطيع أن تلغي كل ما يمكن أن يصنعه مستقبلا.
كان يحتاج إلى يد تربت على كتفه، إلى كلمة تمنحه بعض الطمأنينة، إلى أب يقول له: سنبدأ من جديد، وسأبقى إلى جانبك مهما حدث.
فالإنسان حين يسقط، يبحث بعينيه عن وجه يؤمن به.
وحين لا يجد ذلك الوجه، يبقى واقفا وسط الزحام، يشعر أن العالم كله يدير ظهره له، بينما كان يحتاج إلى شخص واحد فقط، يهمس في أذنه بهدوء:
“انهض… فما زال في العمر متسع لمحاولة أخرى.”

Share this content:





