فصل الشتاء في باديتي…للقلم المحلي الأستاذ شنيك سعيد – خريبكة اليوم – المغرب

فصل الشتاء في باديتي

فصل الشتاء في باديتي لم يكن مجرد فصل عابر ،بل كان امتحانا صامتا تجريه الطبيعة على قلوبنا الصغيرة .لم يكن المطر ماء فقط ،بل كان ذاكرة تسقط من السماء ،و تتشبث بالأرض ،كما كنا نحن نتشبث بالحلم.

كنت أخرج إلى المدرسة أربع مرات في اليوم ،كأنني أعبر فصولا كاملة في مسافة قصيرة .الريح كانت كائنا خفيا تلاحقني ،تلسع وجهي ببرودة حادة ،وتعبث بخطواتي الصغيرة فوق دروب موحلة ،كانت الأرض تئن تحت وقع المطر ،وأنا أمشي فوقها بحذر ،كأنني أعتذر لها عن إزعاج سكونها.لكن رغم ذلك لم أكن وحيداً .كان لي درع سحري…جلباب حيكت خيوطه بحنان أمي .لم يكن مجرد لباس يحميني من البرد ،بل كان دفئا يمشي معي .

وفي الطريق كانت الطبيعة تشاركني الرحلة ،أشجار الزيتون تقف شامخة ،تهز أغصانها كأنها تحييني بصمت ،وطيور تلوذ بالأغصان تحتمي من قسوة السماء مثلنا تماما .وبرك الماء تعكس وجهي الصغير ،فأرى فيه مزيجا من تعب مبكر وعناد جميل.

كنت أصل إلى المدرسة ويدي متجمدتان ،لكن قلبي دافيء .أجلس على المقعد الخشبي ،أفتح دفتري ،فتتساقط من داخلي قطرات المطر التي علقت بروحي لتتحول إلى حروف تبحث عن معنى.

عند عودتي من المدرسة مساء ،كنت أجد أمي قد أشعلت النار في الكانون ،تتصاعد منه رائحة الحطب كأنها نشيد دفء قديم ،كانت النار ترقص بهدوء ،وتلقي بظلالها على الجدران ،فيما تنحني أمي فوقها تعد لنا وجبات دافئة .

كنت أجلس قريباً من الكانون ،أمد يدي نحوه ،وأراقب أصابعي وهي تستعيد الحياة شيئا فشيئا ،كأن النار تبث فيها روحا جديدة .أطيل الجلوس لالشيء إلا لأن الدفء كان يشبه حضنا مفتوحا ،لاأريد مغادرته.

وبعد إنجاز واجباتي المدرسية ،نتحلق أنا وإخواني حول الموقد ،هناك تبدأ حكاية أخرى…

نتبادل أطراف الحديث ،نضحك أحيانا ،ونصمت أحيانا أخرى ،لكن الصمت نفسه كان دافئا ،ويطول السمر في تلك الليالي الشتوية الباردة يصاحبنا في سهرها صوت المذياع الذي تمتد معه لحظات الألفة على نغمات الصوت الملائكي ،أو صوت الشحرورة،أو صوت كروان الشرق،أو صوت العندليب… حتى يبدو الليل أقل برودة ،وأكثر إنسانية.

في تلك الدائرة  الصغيرة من الضوء والدفء ،كنا ننسى قسوة الشتاء ، كنا نصنع من القليل دفئا ،ومن التعب قوة ،ومن الطريق الطويل ،حكاية تستحق أن تروى.

Share this content:

  • Related Posts

    ساكنة الفيس بوك بين أموات وأحياء..هريوى عبد الرحيم -خريبكة اليوم-المغرب

    تتنوع العبارات والأقوال التي تصف ساكنة ورواد فيسبوك بين المدح والنقد، وتعكس واقع الحال في هذا العالم الافتراضي الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية.أقوال وحكم واقتباسات وكلمات وجوه غادرت رمال الشاطئ الأزرق ..ولم يبق يظهر لها أي  أثر..فهل هي مرضت فجأة ..وقضي الأمر وأمسى وقتها يمر ببطء ومدجر كساكن من سكان السجن.. أم لم يرقها بحق كل هذا التهافت…

    Read more

    موسم الحرث في باديتي..القلم المحلي الأستاذ سعيد شنيك- خريبكة اليوم – المغرب

    موسم الحرث في باديتي كان لموسم الحرث في باديتي طعم خاص ،لا يشبه طعم آخر …طعم يمتزج فيه عرق الأرض بنبض الحياة ،وتتعانق فيه رائحة التراب المبلل ببشائر الأمل. أتذكر والدي رحمه الله ،وهو يستعد لهذا الموسم كما يستعد المحارب لمعركة نبيلة، ينهض مع الفجر ،يتفقد السماء ويقرأ في زرقتها وأحوال غيومها ، مالا نقرأه نحن . يستقدم رجلا مياوما ،يحمل…

    Read more

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    يا حُبّ ! لا هدفٌ لنا إلاّ الهزيمةَ في حروبك… عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم -المغرب

    يا حُبّ ! لا هدفٌ لنا إلاّ الهزيمةَ في حروبك… عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم -المغرب

    آخر نقطة في نعش السطر..!عبد الرحيم هريوى -خريبݣة اليوم -المغرب

    آخر نقطة في نعش السطر..!عبد الرحيم هريوى -خريبݣة اليوم -المغرب

    صورة من الذباب المسعور..عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم -المغرب

    صورة من الذباب المسعور..عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم -المغرب

    أنا قارئ  فنجان – عبد الرحيم هريوى-خريبكة اليوم-المغرب

    أنا قارئ  فنجان – عبد الرحيم هريوى-خريبكة اليوم-المغرب

    عين قارئ وناقد مغربي على أوراش الكتابة./.عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم-المغرب

    عين قارئ وناقد مغربي على أوراش الكتابة./.عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم-المغرب

    كيف استقبلت الخرفان خبر سعر ألف درهم..؟!؟!عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب

    كيف استقبلت الخرفان خبر سعر ألف درهم..؟!؟!عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب