اللص وعبد الغفور.. قصة قصيرة -عبد الرحيم هريوى – جماعة المفاسيس – خريبكة اليوم – المغرب

اللص وعبد الغفور…

قصة قصيرة.                                         

في لحظة من اللحظات، أخذ كاتبنا ورقة بيضاء وقلما أسود اللون.وتاه يفكر بخياله عن شئ ما يستحق أن يخط عنه أفكاره، ليسترجع أحداثا ووقائع قد دفنها التاريخ ولن تعود صالحة لهذا الزمان الجديد الذي أصبح فيه الإنسان الرقمي آلة من الآلات،وهو يتحرك في عالم كله أرقام.. رقم بطائقه المتعددة،رقم هواتفه،رقم سيارته، رقم سكناه..وهلم جرا .فرجع بذاكرته للماضي البعيد لتساعده على استحضار شئ ما، أو حدث يستحق النبش فيه.المهم حاول جاهدا أن يقلب صفحات الماضي لعله يهتدي إلى ما يبحث عنه، وتذكر بعد أمة قصة مشوقة أراد أن يجعلها تحيا من جديد، ويتعرف على أحداثها  وشخصياتها وما ترمز له من المعاني وما تبلغه للقارئ من عبر ودروس يستفيد منها في حياته الواقعية بطريقة ما..

أتم عبد الغفور فطوره بهدوء ثم دفع ثمن القهوة بدراهم معدودة بالكاد أخرجها للنادل بعدما جمعها من أكثر من جيب. لأنه لما أراد الخروج ترك لأولاده مصروف الحمام لزوجته وبناته وثمن الكومير.لأن أبناءه تعودوا الفطور به من زمان..ودع أصدقاءه في ذاك الصباح المشمس الحار، وحمل قفته في يده، وقد أثناها أكثر من مرة، ووضع قطعة نقدية من فئة مائتي درهم في الجيب الأمامي لفقيته البيضاء ثم شرع في طي المسافة الطويلة إلى السوق الأسبوعي على قدميه حتى يقتصد في مصروفه، فلا حاجة له بالطاكسي ما دامت نقوده على قد الحال.فالطاكسي لا يدخل في أجندته البثة.. وصل إلى سوق الأحد على الساعة العاشرة صباحا، وكان السوق ممتلئ بالرواد من جميع نواحي مدينة خريبكة..عبد الغفور من عادته أن يبدأ من رحبة البالي لعله يصادف بعض الملابس المستوردة من إيطاليا، و بأثمنة بخسة، وبعدها يقوم بطواف عام عن كل جنبات السوق، لعل بصره يقع على سلعة ما قد يحتاج لها في البيت.. وكان عبد الغفور عادة ما يصادف في بعض الأماكن زحاما وتدافعا وكان يوجد وسط هذه الأمواج البشرية، وينتظر الفرصة ليتنفس الصعداء حتى يخرج و ينفلت منها ليبحث له عن ممر يخف فيه التزاحم والتدافع..مرت ساعات طويلة على عبد الغفور ولم يرقه أي شئ يشتريه.لكنه ظل يستطلع السلع والأثمنة دون أن يشتري شئ يذكر،والآن بعدما شعر بالتعب والإرهاق لكثرة المشي، و سخونة الجو،فقدحان الوقت لملء قفته بما يحتاجه من خضرولحم، دون أن ينسى”طايب بوهاري”والذي يشتريه من الباعة الذين يضعونه في”الزكاوي”و الذي يعجب عبد الغفور و أبناؤه كثيرا، لأنه تعود على أكله وشرائه منذ الصغر، وكان أبوه الحاج اسماعيل يأتي لهم به وهم أطفال صغار كلما ذهب إلى السوق وكان يسمونها”التسيويقة”اقترب عبد الغفور من رحبة الخضر، وسأل عن ثمن البصل والبطاطس ثم طلب من الخضار أن يزن له بعدما عزل ما يمكن عزله، لكن الفاجعة كانت لما أدخل يده في جيبه الصغير ناحية قلبه، لإخراج المائتي درهم لدفع الثمن، وجدها قد طارت، فكاد أن يسقط أرضا، وازدادت  دقات قلبه..نظر الخضار إلى وجه، وقد تغير لونه، بدأ يهدئ من روعه،لأن الخضار عرف بأن صاحبنا لم يجد بما يسدد به ثمن البصل والطماطم، ومن خلال حركاته أيضا..أفرغ عبد الغفور القفة، رغم أن الخضار تألم لحاله، مخاطبا إياه : لاعليك لا تفعل..اترك القفة لحالها ،واذهب حتى تأتيني بنقودي في الأسبوع القادم إن شاء الله ،لكن عبد الغفور أفرغها وطلب من الخضار أن يسامحه..أثنى قفته الخاوية  مرة أخرى، وكله ألم وحزن، و هو يقول في نفسه

  • ماذا أقول لزوجتي؟ سرقت..ضاعت مني مائتي درهم…انفلتت من جيبي الورقة الزرقاء..وبماذا سأواجه أطفالي الصغار لما يلقون في الباب؟ 
  • بابا جتي لينا طايب بوهاري ؟
  • آه؛ يا و يلي عبد الغفور مسكين ،ماعرفت مالو راجع بالقفة خاويا..                                                                 

لم يتمالك عبد الغفورنفسه،وقد شبك يديه وراء ظهره ،وهو يمشي متثاقلا قافلا إلى بيته..رفع عينيه إلى السماء يشكو حاله لخالقه.وهو المؤمن بربه حق الإيمان، فناجاه قائلا: – ربي أنت تعلم أنني ماسبق لي أن سرقت أحدا ، فلماذا يسرقونني؟وهويدعو،رمقه شخص تظاهر بأنه يعرفه فسلم عليه.

كيف حالك يا أسي محمد ؟ لعلي لا أعرف أين رأيتك ؟ ولم أحدد أيضا المكان الذي شاهدتك فيه؟ أين وأين وأين؟ لم أتذكر..وكلها حيل ليتعرف عليه و على اسمه..ذكرني باسمك ؟ عبد الغفور..نعم هو أنت بالتأكيد السي عبد الغفور..و ما لي أراك راجع بقفتك خاوية؟

  • قفتي خاوية..نعم،إنها حقا خاوية كما ترى..!
  • فقد سرقوني أولاد لحرام ..
  • مسكين ،وماذا ستفعل الآن؟                                                                         
  • هذا هو الذي وجدتني أفكر فيه الآن.                                                                           
  • وكيف سأعود عند أولادي بهذه الحالة ؟                              
  • لا عليك ،اتبعني .نعم ،اتبعني واسكت..
  • لم يفهم عبد الغفور أي شئ ، لكنه تبعه،لأنه لن يخسر أي شئ آخر..بعدما خسر الورقة الزرقاء الوحيدة في جيبه.                                                                           
  • لم يتوقف هذا الرجل الغريب حتى وهو في رحبة الخضر ،فملأ له القفة عن آخرها ثم مر على رحبة الجزارة واقتنى له كيلوين من اللحم.                                                                           
  • ولما انتهى،سأل عبد الغفور،هل نفسك في شئ كنت تريد أن تشتريه ؟ 
  • قال له : نعم  “طايب بوهاري” لصغار.                                                                          

وما كان على الرجل الغريب إلا أن اشترى له ما يريد..وبعده ساعده على حمل قفته حتى أوصله إلى مكان العربات (لكوارو) ثم ودعه دون أن ينبس ببنت شفه وانسحب بسرعة وشجاعة وشهامة.. 

لكن عبد الغفور ظل حائرا في أمر هذا الشخص الذي ظهر له فجأة..هل هو من الجن أم الإنس؟فطلب من صاحب العربة بالحرص على قفته حتى يعود.وتبع هذا الرجل الغريب الذي جاء فجأة ليساعده في وقت العسرة..فظل وراءه كظله، ومشى خلفه و هو يراقبه خطوة بخطوة عن بعد، لعله يجد جوابا لحيرته.خرج الرجل الغريب خارج السوق، و جلس وقد طأطأ رأسه، اقترب منه عبد الغفور يتسلل نحوه ،حتى طبطب على كتفيه ،فإذا هو يبكي بكاء الطفل الصغير، فازدادت حيرة صاحبنا عبد الغفور.فتكلم معه و الله إن أمرك لغريب جدا..                                                                        

  • لا عليك، أخي سأحكي لك الآن كل شئ بالتفصيل..فحكى له حتى شعر بالصدمةمرة أخرى

أنا من اللصوص المحترفين في هذا السوق.و اليوم سرقت فجمعت ما جمعت.وأنا خارج من السوق صادفتك ،وعرفتك جيدا، فأنا الذي سرقت لك المائتي درهم من جيب الفوقية..وكانت تظهر زرقاء من الجيب..فتألمت لحالك ،وعملت معك كل  ذلك..وبعدها جئت لوحدي قرب هذا الحائط لأبكي على خالقي كي يتوب علي من السرقة..فرد عليه قائلا: وقد سبقتك أنا أيضا ،فبكيت على ربي كي يرجع لي مظلمتي ،وها هو قد هداك إلي .وقلب قلبك ليثوب..وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿ ۞ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾[ الزمر: 53]

Share this content:

  • Related Posts

    قصة قصيرة – وانهزم المغرب ..!!عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب

    ما هو ليفرور؟كلمة ليفرور (livreur) تعني باللغة العربية عامل توصيل أو موصل الطلبيات أو ساعي البريد. وهي تطلق على الشخص الذي يتولى مهمة نقل وتوصيل الطلبات، سواء كانت وجبات طعام، أو بضائع، أو طروداً من المتاجر إلى الزبائن*اقتباسات في هذا الزوال حملت أثقالي كاملة ..خرجت لا ألوي على شيء..وفي وقت من الأوقات تضيق بك الجدران وتشعر كأن هروبك من مكان إلى مكان تحتاجه نفسك كي تتنفس هواء من…

    Read more

    “سرد حكائي ” صدفة الولاعة الحمراء وفوز إسبانيا بالنهائي العالمي..” عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب

    سرد حكائي .. قال لصاحبه إني أرشح المنتخب الإسباني للفوز بكأس العالم لسنة 2026.. ولكن لن يكون ذلك عبر هكذا تخمينات.. ولا قراءة من القراءات التي سئمناها من البلاطوهات أو عبرسبورة من كل الإنجازات.. لكنه يا صاح قد يدخل في مجال الصدفة العابرة .. كيف ذلك ؟ سأشرح لك ما وقع..  إن ما وقع لي عبرصدفة من الصدف أكون هكذا قد…

    Read more

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    ما وراء الأسماء..هناء ميكو.خريبݣة اليوم – المغرب

    ما وراء الأسماء..هناء ميكو.خريبݣة اليوم – المغرب

    سبق أن قال صاحب “محاولة عيش”محمد زفاف عن الحياة: يجب أن تعاش وللكاتب والأديب علال الجعدوني رؤيته في الحياة الدنيا ..!؟

    سبق أن قال صاحب “محاولة عيش”محمد زفاف عن الحياة: يجب أن تعاش وللكاتب والأديب علال الجعدوني رؤيته في الحياة الدنيا ..!؟

    من تكون تلك التي في صورة حواء..؟ والتي نَعَتْ غرامها ثقتها وآمالهاَ..! بسرد شاعري يبدع شاعرنا المغربي الرقيق كعادته إدريس لحمر-عبد الرحيم هريوى- ريبكة اليوم – المغرب

    من تكون تلك التي في صورة حواء..؟ والتي نَعَتْ غرامها ثقتها وآمالهاَ..! بسرد شاعري يبدع شاعرنا المغربي الرقيق كعادته إدريس لحمر-عبد الرحيم هريوى- ريبكة اليوم – المغرب

    كثيرما تكتبنا قصائدنا في لحظات غضب وضيق…اليوم؛قراءة أدبية وفنية لنص” أنا إنسان..” للشاعرة المغربية تورية لغريب، برؤية لعلي درويش- عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب

    كثيرما تكتبنا قصائدنا في لحظات غضب وضيق…اليوم؛قراءة أدبية وفنية لنص” أنا إنسان..” للشاعرة المغربية تورية لغريب، برؤية لعلي درويش- عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب

    في السفر تعب للشاعر الفلسطيني محمود درويش ” أنا مثلهم لا شيء يعجبني لكن أنزلني هاهنا فقد تعبت من السفر” لكنه مفيد في نظر شاعرنا الأصيل الأستاذ علال الجعدوني- خريبكة اليوم – المغرب

    في السفر تعب للشاعر الفلسطيني محمود درويش ” أنا مثلهم لا شيء يعجبني لكن أنزلني هاهنا فقد تعبت من السفر” لكنه مفيد في نظر شاعرنا الأصيل الأستاذ علال الجعدوني- خريبكة اليوم – المغرب

    شاعر المدينة الروحية “بأبي الجعد علال حبيبي “في ذات عنوان”خريبكة اليوم – المغرب

    شاعر المدينة الروحية “بأبي الجعد علال حبيبي “في ذات عنوان”خريبكة اليوم – المغرب