في طقوس من أجواء مكتب بريد بأراضينا الفوسفاطية سجلتها ذاكرتي الزمانية والمكانية بطريقة عفوية جدا…دخلت مكتب بريد بمدينة الانتظار والغبار والقطار ،والذي يتواجد عبر تحديدات الشيخ غوغل، بشارع رئيسي طويل وعريض ،وقد تآكل زفته..وهو في حالة انتظار هو الآخر..أي في حاجة لإعادة تقويته…وإدخاله في مشاريع محلية تنموية…وهو في طريقه كي يتحول لمشروع من الحفر التي اشتهرت بها مدينة الصهد والغبار والانتظار..ولقد كنت في عجلة من أمري في هذا الزوال ..
ونحن الآن في سرعتنا الأخيرة مع الأيام الأخيرة لقدوم عيد الأضحى..
وكم مرة سبق لي؛ بأن اتخذت هكذا قرار في شأن ذاك المكتب عينه، ولم أفي بعهدي للأسف الشديد، كم مرة،لربما لقربه من سكناي،وعلى أن لاأعود إليه مرة أخرى ،لالشيء سوى أنني أشم فيه رائحة الزمن القديم في تحريك عجلة الإدارة في خدمة المواطنين،و كان يجب أن تدور العجلة الإدارية بسرعة زمنها السريع،لكن للعقول قيودها الفولاذية،التي لايراها إلا الراسخون في علم النفس الاجتماعي،من نوع السلوكيات.في هؤلاء وأولئك من أصحاب القرار..!
ولما ولجت الباب الرئيسي ، مسحت ببصري الفضاء ثم سلمت على السيكيرتي sécurité والذي بالكاد ينتظر ساعة الصفر ،وصوت أذان صلاة الجمعة ،حتى لا تكون العودة كالمألوف عندنا إلا بعد قضاء الفريضة الربانية ولم لا تناول وجبة الكسكس الذي ألفناه باليقطين الدكالي في كل يوم جمعة مباركة.وأضيفت إليه الرسائل على الأشكال والأنواع،وسيل من الأدعية التي تبدأ مع فجر هذا اليوم المبارك،تمطر عليك مباشرة بعد صلاة الصبح عبر الواتساب و ميسينجر..!
قمت بواجبي الأخلاقي ،وسلمت على من حضروا وهم على كراسيهم في الانتظار المتعب
كم هو ممل هذا الذي يسمونه الانتظار
“برك مع خواتك وتسنى نوبتك ،وإلى ما عجبك حالك قلب على بلاصة أخرى..”
قمت بعدهم واحدا واحدا،ولم أنس منهم أحدا..
واحد إثنان ثلاثة أربعة..وكفى
نعم ؛كانوا أربعة، وأنا خامسهم..
رمقت شخصا أعرفه ؛جالس قبالة المدير..لوحت له بيدي وقد تذكرني..وجلس هذا المواطن يتأمل كل وجه جديد يلج فضاء مكتب البريد ،وأما السيد المدير،وللأمانة في نقل ما جمعته الذاكرة من أحداث،فقد ظل منهمكا في شغله،ويتجلى ذلك من خلال حركاته.. ومتابعة ملئه للفراغات عبر الحاسوب،وهو في حوار مباشر عبر أسئلة يجيب عنها المعني في كل مرة يطلب منه الإفادة والتنوير..
أما عن يسار المدير ،رمقت شابا وٱمرأة في ٱنتظار قدوم الانتظار،وقد طال وقوفهما،وهما ينظران للوثائق التي وضعت على سطح…،وبعد طول الانتظار ،ارتفع منسوب الغضب والمطالبة بالحقوق وتلبية الطلبات في وقت قانوني معقول ،إذ توجه الشاب مخاطبا المدير ،بلغة مواطن وجد هذا المكتب كي يقدم له هكذا خدمات ذات جودة في القرن21
-“ماشي معقول هاذ الشي، مخليانا وداخلا تدوي في التيليفون..”
والله أعلم ؛لأننا لا يمكن أن نحكم عن أشياء لم نراها..لكن ما يرى هو عدم وجود من يقوم بإنجاز الطلب لهاذين الشخصين..”
المدير الآن يحاول تهدئة الوضع،ويخاطب ذاك المواطن بلغة الأدب والاحترام حتى لا يتدخل الشيطان في هكذا ثنائيات..ابتعد المواطن ومرافقته، وعبر بطريقته عن وضع الإدارة والوطن ،وهو يلوح بسواد السماء والأرض والتراب..سمعه المدير،فرد عليه بطريقته الخاصة،حتى يبقى فوق أراضيه. ولا يدخل معه في سجال لا يرغب فيه أحد الآن..
الموظفة بعيدة كل البعد عن الحضور حتى اللحظة،وتلبية طلب من حضروا جميعهم..بدأت أسمع خلفي
“ماشي معقول هاذ الشي وشحال وحنا تنتسناو..!!”
أما أنا،فعرفت الباب الرئيسي الذي منه دخلت قبل قليل،وقلت مع نفسي حتى لا أكون ممن حضروا.. ويتم تسجيل ٱسمي.. ولربما يطلبون مني الشهادة عن الواقعة، بعدما تؤخذ مني بطاقتي الوطنية، “وسلت” بسرعة البرق..
وأغلقت الباب خلفي..
وقلت مع نفسي:
رحم الله محمد زفزاف حينما سئل عن مواضيع القصة ،فأجاب كم من قصة تقع لنا كل يوم في حياتنا لكن لكي نكتبها لابد أن نمتلك وسائل وتقنيات الكتابة لا غير.
ولماذا لا نجعل من معاناتنا اليومية مع الغلاء والإدارة والانتظار.. ولحظات العبور من هنا وهناك،فرصة لجمع ما يمكن جمعه من أحداث تكون طبقا من أطباقنا الأدبية نشاركها مع قرائنا الأعزاء، عبر توابل مختارة وبلذة مصاغة في طعمها ومرارتها ..

Share this content:





