شهادة شاعر الشهيدة عبد العزيز برعود في حق شاعر المدينة الروحية محمد السعداني:إنه شاعر الجرح النبيل الذي يحول الألم إلى جمال.خريبكة اليوم – المغرب

محمد السعداني… شاعر الجرح النبيل الذي يحول الألم إلى جمال

ثمة رجال يمرون في الحياة كما تمر الأسماء على الأرصفة الباردة، عابرون، خفيفو الأثر، لا يتركون وراءهم سوى غبار الخطى. وثمة آخرون يشبهون أشجار الزيتون العتيقة، كلما اقتربت منهم اكتشفت طبقات جديدة من الحكايات. ومحمد السعداني واحد من هؤلاء الاستثنائيين.

حين تقرأه لأول مرة، لا تلتقي شاعرا يكتب القصيدة بقدر ما تلتقي إنسانا يحمل قارة كاملة من الوجع، ويعرف كيف يحول جمرها إلى لغة. كأن الحزن عنده ليس عارضا نفسيا، بل مادة أولية لصناعة الجمال. لذلك تبدو قصائده أشبه بكنائس صغيرة للصمت، أو أضرحة لغوية يدفن فيها خيباته ثم يعود ليوقظها على هيئة استعارات باذخة.

قادما من مدينة أبي الجعد، المدينة التي تعرف كيف تزاوج بين نفحات التصوف والذاكرة الشعبية، حمل السعداني معه إلى الكتابة شيئا من روح المكان، ذلك المزيج الغريب بين الحكمة والأسى، بين الحنين والتمرد. فكان شاعرا يسكن النص كما يسكن المتعبد محرابه، لا يطرق أبواب اللغة من الخارج، بل يدخلها من بوابة جراحه الخاصة.في شعره تتجاور الشخصيات المقدسة مع العاشقين المهزومين، ويتصافح الأنبياء مع المنفيين في خرائط القلب.

يوسف وموسى وأهل الكهف وبروتس وقيصر، جميعهم يعبرون قصائده لا بوصفهم شخصيات تاريخية، بل بوصفهم مرايا لانكسارات الإنسان المعاصر. إنه شاعر يؤمن بأن التناص ليس زينة ثقافية، بل وسيلة لقول الذات عبر الآخرين.

ولعل أكثر ما يلفت في تجربته ذلك الولع بالموت بوصفه استعارة للحياة. فالمقابر والنعوش والأكفان والقبور ليست عنده مفردات رثائية فحسب، بل علامات على ولادة جديدة. كأن كل قصيدة يكتبها هي محاولة للخروج من “كهف النزف”، وكل صورة شعرية هي معراج صغير نحو خلاص مؤجل.

غير أن السعداني ليس شاعر الألم فقط. ففي أعماقه يقيم السارد أيضا. سارد يملك عينا تلتقط التفاصيل الهاربة من المشهد اليومي، وتعيد تشكيلها بحنان واضح. ويتجلى ذلك في نصوصه السردية حيث تنبض الشخصيات الشعبية بحقيقة إنسانية عميقة، بعيدا عن التجميل أو الادعاء.

وخلف الشاعر والروائي والإداري التربوي، يختبئ رجل يبدو شديد الوفاء للثقافة. منخرط في العمل الجمعوي والثقافي، مؤمن بأن الأدب ليس ترفا لغويا، بل شكلا من أشكال المقاومة الهادئة ضد القبح والنسيان.

محمد السعداني لا يكتب ليعجب القارئ فقط، بل ليترك في روحه ندبة جميلة. لذلك حين تغلق أحد نصوصه، لا تشعر أنك انتهيت من القراءة، بل تشعر أن القصيدة بدأت تقرؤك أنت.

هكذا يبدو السعداني: شاعر يحمل في يده وردة، وفي اليد الأخرى جرحا قديما لم يندمل بعد. وكلما ظننت أنه يكتب عن الحب، اكتشفت أنه يكتب عن الفقد. وكلما ظننت أنه يرثي الآخرين، وجدته يرثي شيئا ما بداخله. لذلك يبقى واحدا من أولئك الكتّاب الذين لا يسكنون النصوص فقط، بل يسكنون الذاكرة أيضا

Share this content:

  • Related Posts

    سي محمد خرميز أيقونة من أيقونات المدينة الفوسفاطية.. عبد الرحيم هريوى- خريبكة اليوم – المغرب

    سي محمد خرميز الوزاني وٱبنه السيد حسن..هما من أبناء هذه المدينة الفوسفاطية خريبكة ..!! اليوم، ها هنا بالمدينة الباردة بطقسها وطقوسها، و الهائمة الشاردة في سكونها وصمتها تحصي أيامها الخوالي كإنسان متعب أجهده الزمان واقتنع بأنه لا أمل في الغد المنتظر..!؟! – فذاك  مصير محتوم مهما طال الزمان..!؟! وسط الصمت والضجر وتطاول الإسمنت  تهت بنفسي هاربا من برودة الجدران إلى برودة…

    Read more

    لحظة للتاريخ عبر توقيع المحضر ما قبل الأخيرفي مسار مهني يمتد ل 37 سنة لابن العم الأستاذمصطفى الإمالي..خريبكة اليوم – المغرب

    لحظة للتاريخ عبر توقيع المحضر ما قبل الأخيرفي مسار مهني يمتد ل 37 سنة لابن العم مصطفى الإمالي.. تدوينة شدتني للتاريخ الذي طويناه مع وجوه جميلة ..!!ويكون قد جمعنا في ذاكرتي الزمان والمكان مع أخ وصديق حميم وأستاذ فاضل للغة الضاد التي سبر أغوارها و امتلك ناصيتها ثقافة وكتابة منذ شبابه كما عهدناه، لنهمه المتواصل و المتميز والكبير لكل كتاب يقع…

    Read more

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    مفرداتُ الغياب لا تلائمني للكاتبة هناء ميكو- خريبكة اليوم – المغرب

    مفرداتُ الغياب لا تلائمني للكاتبة هناء ميكو- خريبكة اليوم – المغرب

    ما وراء الأسماء..هناء ميكو.خريبݣة اليوم – المغرب

    ما وراء الأسماء..هناء ميكو.خريبݣة اليوم – المغرب

    سبق أن قال صاحب “محاولة عيش”محمد زفاف عن الحياة: يجب أن تعاش وللكاتب والأديب علال الجعدوني رؤيته في الحياة الدنيا ..!؟

    سبق أن قال صاحب “محاولة عيش”محمد زفاف عن الحياة: يجب أن تعاش وللكاتب والأديب علال الجعدوني رؤيته في الحياة الدنيا ..!؟

    من تكون تلك التي في صورة حواء..؟ والتي نَعَتْ غرامها ثقتها وآمالهاَ..! بسرد شاعري يبدع شاعرنا المغربي الرقيق كعادته إدريس لحمر-عبد الرحيم هريوى- ريبكة اليوم – المغرب

    من تكون تلك التي في صورة حواء..؟ والتي نَعَتْ غرامها ثقتها وآمالهاَ..! بسرد شاعري يبدع شاعرنا المغربي الرقيق كعادته إدريس لحمر-عبد الرحيم هريوى- ريبكة اليوم – المغرب

    كثيرما تكتبنا قصائدنا في لحظات غضب وضيق…اليوم؛قراءة أدبية وفنية لنص” أنا إنسان..” للشاعرة المغربية تورية لغريب، برؤية لعلي درويش- عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب

    كثيرما تكتبنا قصائدنا في لحظات غضب وضيق…اليوم؛قراءة أدبية وفنية لنص” أنا إنسان..” للشاعرة المغربية تورية لغريب، برؤية لعلي درويش- عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب

    في السفر تعب للشاعر الفلسطيني محمود درويش ” أنا مثلهم لا شيء يعجبني لكن أنزلني هاهنا فقد تعبت من السفر” لكنه مفيد في نظر شاعرنا الأصيل الأستاذ علال الجعدوني- خريبكة اليوم – المغرب

    في السفر تعب للشاعر الفلسطيني محمود درويش ” أنا مثلهم لا شيء يعجبني لكن أنزلني هاهنا فقد تعبت من السفر” لكنه مفيد في نظر شاعرنا الأصيل الأستاذ علال الجعدوني- خريبكة اليوم – المغرب