تصرف عبثي مائة في المائة..! قصة قصيرة -عبد الرحيم هريوى- خريبكة اليوم 


الحياة عبثية، إنها لا تبالي بما تحمله وتنجزه، فهي مستمرة بدون شك. يوجد طريقان للتعايش مع هذا العبث: إمّا أن تصبح عبثيًا، غير مهتم لأي شيء كان أو سيكون، أو أن تصبح شخصًا عاديًا تعِيسًا يتبخر في الهواء مثل دخان سيجارة. – ألبير كامو1

                      

                        

في هذا اليوم؛ هممت بالدخول للوكالة البنكية الأولي كي أقوم بعملية الدفع في حِسَابٍ شخصي،وبالصدفة وجدت شابة متسمرة أمام الباب في حالة انتظار..وكان حضوري ذاك في وقت الزوال ، ولعل الموظف الآن في طريقه لتناول أكلة سريعة، تجعله واقفا حتى يتمم مهامه المنوطة به في مكتبه..!

-وفي ذاك الحين أردت أن أدفع الباب..!

-وبسرعة رمقت مكان الموظف فارغا، وتنبهت..!

–  فسألت الشابة الواقفة:

– هل تنتظرين يا ٱبنتي دورك..!؟؛

– لكنها سرعان ما أسرعت في الإجابة.. المكلف خرج لتوه من الوكالة، ولن يعود إلا بعد نصف ساعة من الآن..!

-ولضعف سمعي أعدت أكرر عليها القول إلا بعد نصف نهار ..!

قهقهت بصوت، ثم ٱبتسمت ضاحكة، لكنها سرعان ما فهمت..!

ولعلها فرصة أتيحت لها كي تكسر رتابة الانتظار الممل.وفي مكان يكون فيه الجسم عرضة لأشعة شمس الصيف وأضرارها،وفي غياب أي شئ يحميها فوق رأسها أو مكان ظليل جهزوه لهؤلاء الزبائن في مثل هذه الحالات ..!

-المهم لدي حساباتي ..!

– قد تكون خاطئة مرة، ومربحة أخرى ..!

– وتركتها تصارع وتنتظر ..

– وأخذت سيارتي صوب” اجونس” ثانية(وكالة بنكية ..)

– دفعت الباب الثقيل، للوكالة الغاصة على آخرها بالزبائن على ٱختلاف أجناسهم..طلبت التذكرة.. قرأت رقمها: 147، أقفلت الباب خلفي، وودعت صوب” أجونس” ثالثة، طويت الطريق طيا بسرعة البرق..أدلفت بجسد المعرق وأنا الشيخ التعبان .

-قرأت ما كتب على خانات التذاكر، بصمت على الكشك الخاص بالدفع.. 

-قرأت التذكرة 31 وأمامك 10 قلت: لابأس.. 

-أخرجت سبحتي وتهت أذكر الله وأسبح للرحمان، وظلت عيناي كأي كاتب مولوع يتفحص الوجوه والصور والجدران وأجزاء الأجزاء..!

 – كانت ذاكرتي تجمع كل شئ..!

– وأنا الذي أجول وأصول بعقلي قبل قلمي، لأجمع عشاء في آخر النهار من طبق شهي من الأحداث والقصص والمفاجآت،كنت أتلصص الأشخاص الذين يتواجدون بالقرب مني..هناك أرقام يتجاوزها العداد بسرعة 23.24.25.26.27.أصحابها كلهم قد غادروا وبدون رجعة ..ثم بعدها نهض صاحب الرقم 28 و.. بعدها أسرع رجل تصاحبه ٱبنته الصغيرة برقم 29 ..

– وفي هذه الأثناء خرج الحارس قاصدا الباب،لكنه في الحقيقة قصدني أنا لشخصي ، وهو يرشدني بالعامية ولم أفهم منه أي شئ ..!

قال بصوت مسموع.وكأنه تنبيه عاجل:

– الله يرحم الوالدين دير لكمامة..!

– ثم تلمست وجهي فوجدتها حاضرة فوق وجهي ..!

– ولم أفهم أي شئ يذكر..!

– ثم نظرت للموظفين المتواجدين داخل”لاجونس “فأكثرهم لا كمامة تذكر على وجوههم..!

– وأنا على حالي ، جالس أفكر فيما قاله لي العساس ..!

– وما كان يقصده..!؟!

– وكيف يأتي عندي لوحدي، قبل خروجه من الوكالة ..؟!

– وٱنتظرته حتى عاد وهو يحمل سندويشه الحرفي الذي يسد به رمقه حتى يعود لبيته..!

لكنه سرعان ما ٱختفى عن الأنظار لتناول وجبته..وفي الوقت نفسه وصل الرقم 30 فدفعت النقود في الحساب وٱنصرفت ..!

– وظل تصرف الحارس شبه غريب معي لوحدي داخل تلك الوكالة البنكية..!

-وقلت مع نفسي لعله كان في حلم أو أن السيد يحتاج لإتمام ساعات نومه، أو هو تصرف مغربي مائة في المائة حينما نريد أن نظهر للآخرين بأننا دايرين خدمتنا..!

– وحينها تذكرت ما قاله الراحل “محمد زفزاف” في حديث له مع الإعلامية حينذاك فاطمة التواتي في برنامج ثقافي بالإثم( الأولى اليوم )،أن كل شخص منا قد تقع له عدة قصص يومية، فلا يحتاج إلا لوسائل التعبير والكتابة كي يخرجها لحيز الواقع/...

Share this content:

  • Related Posts

    كم ٱنتظرنا ظلك الحافي ..! وإلى ما تبقى من ملامح صديق قديم..عبد الرحيم هريوى – خريبݣة اليوم – المغرب

    تدوينة للصديق محمد نخال إطلالة بهية أيها العزيز تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال وعيدكم مبارك سعيد وكل عام وأنتم بألف ألف خير كم ٱنتظرنا ظلك الحافي ..إلى ما تبقى من ملامح صديق قديم كانت الابتسامة الكبرى موطنه..وكان قلبه كما وصفه محمود درويشأكبر من جغرافية الأرض..والناس معادن وأثمنها المعادن النادرة..سيدي نخال محمد الروائي والشاعر القويم من أصنافها..طبت وطاب ممشى حياة رائعة…

    Read more

    عين قارئ وناقد مغربي على أوراش الكتابة./.عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم-المغرب

    أوراش الكتابة؛ قد لا تخلو من جدال أدبي وفني مستمرين؛ ومثمرين أيضا، أي حول من يتقاسم أطباقها الدسمة بمواقع التواصل الاجتماعي يقول الشاعر والناقد المغربي صلاح بوسريف في تدوينة عبر موقع التواصل بالفيس بوك ما يلي أوراش الكتابة، لا تملى فيها المعايير، وليست دروسا في كتابة الشعر أو القصة أو الرواية، بل هي تمرين على الخيال، وعلى اللغة في عرائها الكامل،…

    Read more

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    ولنا في النهاية بيت بدون أبواب..ولنا لباس بدون أكمام..عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم – المغرب

    ولنا في النهاية بيت بدون أبواب..ولنا لباس بدون أكمام..عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم – المغرب

    “فأنت لا تفهم مشاعرالمرأة يا ٱبن أمي وتدعي أنك روائي..!!”عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم- المغرب

    “فأنت لا تفهم مشاعرالمرأة يا ٱبن أمي وتدعي أنك روائي..!!”عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم- المغرب

    نحوقمة النجاح في هذه الحياة لا ينبني على الغش، ولا على غياب تأنيب الضمير..القلم المحلي لطيفة لبريز- خريبكة اليوم – المغرب

    نحوقمة النجاح في هذه الحياة لا ينبني على الغش، ولا على غياب تأنيب الضمير..القلم المحلي لطيفة لبريز- خريبكة اليوم – المغرب

    قراءة أدبية : الشاعرة تورية لغريب تتواجد كظلال خفية خلف قصائدها…عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب  

    قراءة أدبية : الشاعرة تورية لغريب تتواجد كظلال خفية خلف قصائدها…عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب  

    «حياتنا ما تبقى من أحلام الغد..!»عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم – المغرب

    «حياتنا ما تبقى من أحلام الغد..!»عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم – المغرب

     الزفت الأسود في المزاد العلني للأصوات..عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم -المغرب

     الزفت الأسود في المزاد العلني للأصوات..عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم -المغرب