ومن رسم ذكرى خيال شاعر المدينة.. قصة قصيرة..عبد الرحيم هريوى – جماعة المفاسيس – خريبكة اليوم – المغرب

قصة ذكرتني بقصيدة بودلير ” إلى العابرة”

رأيتها صدفة هناك من البعيد البعيد جدا ؛وهي متواجدة ظل لها تمشي هناك..إذ كانت تمشي في صمت وهدوء وتأن مقصود،بجانب حائط الثانوية القديمة التي كنا نسميها في زمننا البعيد “بالبارد”، وإلى اليوم لم أجد جوابا عن هذا الاسم الغريب و الغامض لهذه المؤسسة التعليمية..وتعتبر إلى حد ما من مخلفات فترات عهد الاستعمار والاستقلال.مثلها مثل حي البيوت و الفيلاج والكنيسة ومقبرة النصارى.. 

–  أنا الذي لم أعد أراها بوجهها الطفولي من زمان بعيد..!

– وذاك ليس بالزمن القصير وبرب السماء ..!

بعد أن انقطع بها حبل الزمان الفوسفاطي ذاك، وهجرت المكان على طول، ومن يدري ربما تغير الحال،وتغيرت ملامح وجه ذاك الإنسان..

 ففي نهار ما،وبصدفة عبور تلقائي؛ وفجأة؛وأنا أترجل أرضا شبه عارية من صور المدنية ..هناك في شبه شارع من الغبار و الأتربة والأحجار التي تصادفك في زمن اللاتنمية بمدينة وجدت كي تعيش بدون هوية إلا بآسم التراب والقطار والانتظار..وعبر إحدى الشوارع الشبه محفرة هاته من جهة اليسار،رأيتها ماشية.وبالكاد يستقيم كعب حذائها العالي ويعينها في مشيتها..

وما ألفتها على تلك الحالة -وكأنها ليست هي ،هي..التي رسمت صورتها في ذهني لعقود من الزمن .. إنها” ليلى الشمس” في ذاكرة المدينة الحفرة والقبر لكل أمل وبزوغ عهد جديد..

ولي كأي كاتب تحرر من عقد كثيرة ؛ذاكرة التاريخ وذاكرة الزمان والمكان وذاكرة المشاهدة والبصر..!وما أحمله من الصور في ذاكرتي البصرية.. واليوم ؛أكون قد بصرتها هناك من الجهة الخلفية الأخرى من الشارع الكبير..-هناك من بعيد..-وما برحت قد تخيلتها دائما بنظرة فيلسوف وجودي يسائل كل شيء شيء،كي يناقش حقيقة وروحها..والمشاعر الوجدانية الرهيفة لشاعر مثلي ينوب بصوته عن هذه المدينة المهمشة..

-لأننا نحن الشعراء نبحث دائما على شيء جميل يثير فينا احساساتنا الغريبة ..

-وظننتها دائما؛ في صورة للوحة من صنع طبيعة الخالق الديان..

وهي تحمل سرها فوق جسدها الرشيق..

وفي تناسق متكامل الأوصاف، من ألوان الزينة..

 ثياب متناسقة تعطيها جمالا فوق جمال إضافي لجمالها الكبير..

كلها آيات من السحر والجمال الخلاق..

هي،هي،و لربما قد تعرفني بالطبع بآسمي،لكن في وجه صورة مراهق من زمننا البعيد..سواء كان ذاك في جو ماطر أم تحت سماء تحجب شمسها بعض الغيوم..

وأنا كذلك أعرفها كعاهلة في مملكة النحل،بهمة فريدة من نوعها..وبما تملكه من مكانة وترف عيش في ذاك الزمان..

وأنا القادم من عالم البدو ،والحامل معي عشق الفضاء القديم للبادية..ولغة بقاموس من ثقافة الصبار والصهد و الأتربة والأحجار وقطعان الماشية والطوق والنسيان..

أما أنا حينذاك،فقد كنت أمشي في الجهة التي أرتاح فيها رفقة ظلي الثاني..!

وهي التي لربما رأتني جد سعيد كما تخيلته..وباركت لي الطريق..!

وأنا أعيش زماني الجميل..!

وأنا في بزوغ فجر حياتي..!

وفي زخم أيام شباب جديد..!

مزهو بريش طاووس من ما أحمله معي من صباغة من الألوان..!

حياة جديدة قد كانت شاهدة عليها،وهي تزهر بكل أصناف المجد الآتي من بعيد..أيام ما فتئت تضمني..تحضنني لصدرها الدافئ بشوق وعشق وحنين..!لقد كانت تمشي لوحدها ويتبعها ظلها الجميل..!لقد كانت مصدومة في ملتقى مدارة أحزان تعيشها في صمت..إذ كانت ما تزال تخطو خطواتها تبحث لها عن نجاة..وتمشي الهنيهة حينما تطوي أيام شبابها ببطء..وهي التي لا تدري ما تخفيه لها الأيام.من أخبار تتسارع بسقوطها على وجه اللوح المحفوظ..!ولربما قد تكون قد فقدت للتو والدها أو والدتها..أوما تزال تحمل نذوبها القديمة في صدرها عن رحيل أخيها صخر..!كم مرة رأيتها في صورة حسناء المدينة في زمانها الذهبي،وهي تمشي الهنيهة..قافلة صوب المحطة..في طريقها للبيت القديم..وكم كان للعشق من ذكرى جميلة..!وكم ألف الزمان أن يحمل لنا معه من صور تبقى حية لا تموت مع السنين..!وظل الوجه الأنثوي حاضرا على ضوء شموع يحمل معه صورا من ذكريات جمالها الكبير..!والتواجد السحري في أي مكان كان،تطأه قدميها حتى ولو كانت طاولة منسية من بين طاولات فصل دراسي، تشهد على رسائل من ذاك الزمان المفقود..!وحتى وجه طاولة الدرس و بالصدفة تحولت فضاء للتعبير عن لوعة العشق ومحطة من محطات رسائل العشق والغرام..!

Share this content:

  • Related Posts

    قصة قصيرة – وانهزم المغرب ..!!عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب

    ما هو ليفرور؟كلمة ليفرور (livreur) تعني باللغة العربية عامل توصيل أو موصل الطلبيات أو ساعي البريد. وهي تطلق على الشخص الذي يتولى مهمة نقل وتوصيل الطلبات، سواء كانت وجبات طعام، أو بضائع، أو طروداً من المتاجر إلى الزبائن*اقتباسات في هذا الزوال حملت أثقالي كاملة ..خرجت لا ألوي على شيء..وفي وقت من الأوقات تضيق بك الجدران وتشعر كأن هروبك من مكان إلى مكان تحتاجه نفسك كي تتنفس هواء من…

    Read more

    “سرد حكائي ” صدفة الولاعة الحمراء وفوز إسبانيا بالنهائي العالمي..” عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب

    سرد حكائي .. قال لصاحبه إني أرشح المنتخب الإسباني للفوز بكأس العالم لسنة 2026.. ولكن لن يكون ذلك عبر هكذا تخمينات.. ولا قراءة من القراءات التي سئمناها من البلاطوهات أو عبرسبورة من كل الإنجازات.. لكنه يا صاح قد يدخل في مجال الصدفة العابرة .. كيف ذلك ؟ سأشرح لك ما وقع..  إن ما وقع لي عبرصدفة من الصدف أكون هكذا قد…

    Read more

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    ما وراء الأسماء..هناء ميكو.خريبݣة اليوم – المغرب

    ما وراء الأسماء..هناء ميكو.خريبݣة اليوم – المغرب

    سبق أن قال صاحب “محاولة عيش”محمد زفاف عن الحياة: يجب أن تعاش وللكاتب والأديب علال الجعدوني رؤيته في الحياة الدنيا ..!؟

    سبق أن قال صاحب “محاولة عيش”محمد زفاف عن الحياة: يجب أن تعاش وللكاتب والأديب علال الجعدوني رؤيته في الحياة الدنيا ..!؟

    من تكون تلك التي في صورة حواء..؟ والتي نَعَتْ غرامها ثقتها وآمالهاَ..! بسرد شاعري يبدع شاعرنا المغربي الرقيق كعادته إدريس لحمر-عبد الرحيم هريوى- ريبكة اليوم – المغرب

    من تكون تلك التي في صورة حواء..؟ والتي نَعَتْ غرامها ثقتها وآمالهاَ..! بسرد شاعري يبدع شاعرنا المغربي الرقيق كعادته إدريس لحمر-عبد الرحيم هريوى- ريبكة اليوم – المغرب

    كثيرما تكتبنا قصائدنا في لحظات غضب وضيق…اليوم؛قراءة أدبية وفنية لنص” أنا إنسان..” للشاعرة المغربية تورية لغريب، برؤية لعلي درويش- عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب

    كثيرما تكتبنا قصائدنا في لحظات غضب وضيق…اليوم؛قراءة أدبية وفنية لنص” أنا إنسان..” للشاعرة المغربية تورية لغريب، برؤية لعلي درويش- عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب

    في السفر تعب للشاعر الفلسطيني محمود درويش ” أنا مثلهم لا شيء يعجبني لكن أنزلني هاهنا فقد تعبت من السفر” لكنه مفيد في نظر شاعرنا الأصيل الأستاذ علال الجعدوني- خريبكة اليوم – المغرب

    في السفر تعب للشاعر الفلسطيني محمود درويش ” أنا مثلهم لا شيء يعجبني لكن أنزلني هاهنا فقد تعبت من السفر” لكنه مفيد في نظر شاعرنا الأصيل الأستاذ علال الجعدوني- خريبكة اليوم – المغرب

    شاعر المدينة الروحية “بأبي الجعد علال حبيبي “في ذات عنوان”خريبكة اليوم – المغرب

    شاعر المدينة الروحية “بأبي الجعد علال حبيبي “في ذات عنوان”خريبكة اليوم – المغرب