حين يتكلم الصمت…
هناك مشاعر لا تجد طريقها إلى اللسان فتختار العيون وطنا لها وتترك للنظرات مهمة البوح بما عجزت عنه الكلمات..كم من حب عاش صامتا لكنه كان يصرخ في أعماق النظرات وكم من قلب أخفى اشتياقه خلف ابتسامة باهتة بينما كانت عيناه تفضحان كل شيء..إن العيون لها بوح ورقرقة أسمى وأفصح مما قيل أو كتب فهي قصائد لا تقرأ بالحروف وإنما بالإحساس. وكما قيل:
“وإذا العيون تحدثت بلغاتها// قالت مقالًا لم يقله خطيب.”
لغة العيون ليست لغة تدرس ولاحروفا تحفظ بل هي هبة يمنحها القلب لمن أحب فلا يدركها إلا رمش المحب وإن رآها ألف لبيب. فهي لغة بحروف خفية لكنها مقروءة حروفها صامتة، لكن صدى صوتها يصل إلى الأعماق، لأنها رسالة من روح إلى روح ميزتها الصدق وعيبها الوضوح من عجز عن قراءة صمتي. فقد جهل معاناتي فمن لا يفهم ارتجافة العين ولا تنهيدة الروح، لن يفهم ألف كلمة تقال بعد ذلك. لذلك قيل إن لبعض النظرات عتابا أبلغ من الكلمات والحروف وإن سكتنا، فالعيون نواطق أرق حديث ما تغنيه العيون.ولأن ليس كل ما في القلب يقال خلق الله التنهيدة و الدموع وخلق رجفان اليد والنوم الطويل والأحلام وخلق الابتسامة الحزينة ولغة العيون وهمس الروح وخلق الصمت ليكون أصدق من كثير من الكلام.
لا تبحث عن شخص تبرر له ما تشعر به بل ابحث عمن يقرؤك من نظرة ويفهمك من صمت ويحتضن وجعك دون سؤال.. فالكلمات قد تخون المعنى أما العيون فلا تعرف إلا الحقيقة.
وفي قلب كل واحد منا أسرار وأحلام وأمنيات لا يعلمها إلا الله لذلك تبقى العيون أحيانا هي النافذة الوحيدة التي يطل منها القلب على العالم فتقول بصمتها ما تعجز عنه آلاف الخطب وتروي قصة حب صامت لا يسمعها إلا من كان قلبه يجيد الإصغاء .
العيون لا تكذب لكنها قد تساء قراءتها. فإن خذلتك نظرة فربما لم يكن الذنب في العين بل فيمن عجز عن فك شيفرة رسائلها. هناك أرواح تتقن الصمت أكثر مما تتقن الكلام وتنسج من النظرات حكايات لا تكتبها الأقلام. وللعين ذاكرة تحفظ ما نسيه اللسان وقلب يبوح حين يعجز الصوت لذلك كانت بعض النظرات وعدا وبعضها وداعا وبعضها عتابا يحرق الروح دون أن ينطق بحرف.
ولعل الحب الصامت هو أصدق أنواع الحب لأنه لا يبحث عن التصفيق ولا ينتظر الاعتراف بل يكتفي بأن يمر كنسمة خفيفة في العين فتفهمه القلوب التي تعرف لغة الأرواح. وكما قيل: “وللعيون رسائل مرددة تدري القلوب معانيها ونخفيها.” فكم من قلبين تحاورا بصمت وكم من قصة انتهت قبل أن تبدأ لأن أحدهما لم يحسن قراءة لغة العيون.
لهذا لا تبحث عمن يسمع كلماتك فقط بل ابحث عمن يقرأ ارتجافة صوتك ويفهم صمتك ويلتقط من عينيك ما أخفته كبرياؤك.
من يفهم لغة العيون لن يحتاج إلى تفسير ومن عجز عن قراءة صمتك فلن يدرك حقيقة كلامك مهما أطلت الحديث.
بقلم لطيفة لبريز
Share this content:





