حين يتكلم الصمت ولغة العيون فقط..القلم المحلي لطيفة لبريز-خريبكة اليوم- المغرب

 حين يتكلم الصمت

هناك مشاعر لا تجد طريقها إلى اللسان فتختار العيون وطنا لها وتترك للنظرات مهمة البوح بما عجزت عنه الكلمات..كم من حب عاش صامتا لكنه كان يصرخ في أعماق النظرات وكم من قلب أخفى اشتياقه خلف ابتسامة باهتة بينما كانت عيناه تفضحان كل شيء..إن العيون لها بوح ورقرقة أسمى وأفصح مما قيل أو كتب فهي قصائد لا تقرأ بالحروف وإنما بالإحساس. وكما قيل:

“وإذا العيون تحدثت بلغاتها// قالت مقالًا لم يقله خطيب.”

لغة العيون ليست لغة تدرس ولاحروفا تحفظ بل هي هبة يمنحها القلب لمن أحب فلا يدركها إلا رمش المحب وإن رآها ألف لبيب. فهي لغة بحروف خفية لكنها مقروءة حروفها صامتة، لكن صدى صوتها يصل إلى الأعماق، لأنها رسالة من روح إلى روح ميزتها الصدق وعيبها الوضوح  من عجز عن قراءة صمتي. فقد جهل معاناتي فمن لا يفهم ارتجافة العين ولا تنهيدة الروح، لن يفهم ألف كلمة تقال بعد ذلك. لذلك قيل إن لبعض النظرات عتابا أبلغ من الكلمات والحروف وإن سكتنا، فالعيون نواطق أرق حديث ما تغنيه العيون.ولأن ليس كل ما في القلب يقال خلق الله التنهيدة و الدموع وخلق رجفان اليد والنوم الطويل والأحلام وخلق الابتسامة الحزينة ولغة العيون وهمس الروح وخلق الصمت ليكون أصدق من كثير من الكلام.

لا تبحث عن شخص تبرر له ما تشعر به بل ابحث عمن يقرؤك من نظرة ويفهمك من صمت ويحتضن وجعك دون سؤال.. فالكلمات قد تخون المعنى أما العيون فلا تعرف إلا الحقيقة.

وفي قلب كل واحد منا أسرار وأحلام وأمنيات لا يعلمها إلا الله لذلك تبقى العيون أحيانا هي النافذة الوحيدة التي يطل منها القلب على العالم فتقول بصمتها ما تعجز عنه آلاف الخطب وتروي قصة حب صامت لا يسمعها إلا من كان قلبه يجيد الإصغاء .

العيون لا تكذب لكنها قد تساء قراءتها. فإن خذلتك نظرة فربما لم يكن الذنب في العين بل فيمن عجز عن فك شيفرة رسائلها. هناك أرواح تتقن الصمت أكثر مما تتقن الكلام وتنسج من النظرات حكايات لا تكتبها الأقلام. وللعين ذاكرة تحفظ ما نسيه اللسان وقلب يبوح حين يعجز الصوت لذلك كانت بعض النظرات وعدا وبعضها وداعا وبعضها عتابا يحرق الروح دون أن ينطق بحرف.

ولعل الحب الصامت هو أصدق أنواع الحب لأنه لا يبحث عن التصفيق ولا ينتظر الاعتراف بل يكتفي بأن يمر كنسمة خفيفة في العين فتفهمه القلوب التي تعرف لغة الأرواح. وكما قيل: “وللعيون رسائل مرددة تدري القلوب معانيها ونخفيها.” فكم من قلبين تحاورا بصمت وكم من قصة انتهت قبل أن تبدأ لأن أحدهما لم يحسن قراءة لغة العيون.

لهذا لا تبحث عمن يسمع كلماتك فقط بل ابحث عمن يقرأ ارتجافة صوتك ويفهم صمتك ويلتقط من عينيك ما أخفته كبرياؤك. 

من يفهم لغة العيون لن يحتاج إلى تفسير ومن عجز عن قراءة صمتك فلن يدرك حقيقة كلامك مهما أطلت الحديث.

بقلم لطيفة لبريز

Share this content:

  • Related Posts

    أسئلة وجودية تحمل ثقافة صاحبها أو صاحبتها..عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم- المغرب

    أسئلة وجودية تحمل ثقافة صاحبها أو صاحبتها…الأسئلة الوجودية هي استفسارات عميقة تدور حول المعنى، الغاية، والوجود البشري. إنها ليست مجرد تأملات فلسفية، بل هي تساؤلات حقيقية يطرحها الإنسان عندما يتجاوز إطار المادة ليبحث عن هدفه ورسالته في هذه الحياة..ولنا من الأفكار والكلام والأمثال واللغة المقتبسة ما يشفي غليل الخيال والتفكير معا ./. تدوينة عابرة للشاعرة والأديبة تورية لغريب غالبا… الأشياء الرائعة…

    Read more

    أفكار وتأملات-عبر تدوينة عابرة-الشعر يولد من رحم زمانه-ما قيل عن الشعر والشعراء -عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم-المغرب

    تدوينة عابرة عن نص شعري عابر،ولطوله تساءلت هل بالفعل يستطيع جمهور الشعر والعاشق له أن يتوفر لديه النفس الطويل كي يقرأ اليوم شعر المعلقات ،وها هنا أشاطر الرأي المفكر وأستاذ الفلسفة موليم لعروسي بالرباط لما قال:” بأن زمن المتنبي وشعره لا يصلح لزمننا .حتى ولو كتبنا شعرا عموديا يشبهه ..” فمثلا لما تقرأ لأحمد مطر ومحمود درويش ونزار قباني ومريد ومصطفى…

    Read more

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    مفرداتُ الغياب لا تلائمني للكاتبة هناء ميكو- خريبكة اليوم – المغرب

    مفرداتُ الغياب لا تلائمني للكاتبة هناء ميكو- خريبكة اليوم – المغرب

    ما وراء الأسماء..هناء ميكو.خريبݣة اليوم – المغرب

    ما وراء الأسماء..هناء ميكو.خريبݣة اليوم – المغرب

    سبق أن قال صاحب “محاولة عيش”محمد زفاف عن الحياة: يجب أن تعاش وللكاتب والأديب علال الجعدوني رؤيته في الحياة الدنيا ..!؟

    سبق أن قال صاحب “محاولة عيش”محمد زفاف عن الحياة: يجب أن تعاش وللكاتب والأديب علال الجعدوني رؤيته في الحياة الدنيا ..!؟

    من تكون تلك التي في صورة حواء..؟ والتي نَعَتْ غرامها ثقتها وآمالهاَ..! بسرد شاعري يبدع شاعرنا المغربي الرقيق كعادته إدريس لحمر-عبد الرحيم هريوى- ريبكة اليوم – المغرب

    من تكون تلك التي في صورة حواء..؟ والتي نَعَتْ غرامها ثقتها وآمالهاَ..! بسرد شاعري يبدع شاعرنا المغربي الرقيق كعادته إدريس لحمر-عبد الرحيم هريوى- ريبكة اليوم – المغرب

    كثيرما تكتبنا قصائدنا في لحظات غضب وضيق…اليوم؛قراءة أدبية وفنية لنص” أنا إنسان..” للشاعرة المغربية تورية لغريب، برؤية لعلي درويش- عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب

    كثيرما تكتبنا قصائدنا في لحظات غضب وضيق…اليوم؛قراءة أدبية وفنية لنص” أنا إنسان..” للشاعرة المغربية تورية لغريب، برؤية لعلي درويش- عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب

    في السفر تعب للشاعر الفلسطيني محمود درويش ” أنا مثلهم لا شيء يعجبني لكن أنزلني هاهنا فقد تعبت من السفر” لكنه مفيد في نظر شاعرنا الأصيل الأستاذ علال الجعدوني- خريبكة اليوم – المغرب

    في السفر تعب للشاعر الفلسطيني محمود درويش ” أنا مثلهم لا شيء يعجبني لكن أنزلني هاهنا فقد تعبت من السفر” لكنه مفيد في نظر شاعرنا الأصيل الأستاذ علال الجعدوني- خريبكة اليوم – المغرب