ترى، من تكون..؟! يتساءل الروائي المحلي نور الدين الزرفاوي في نص قصير..

ترى، من تكون؟؟

البحر يمتد أمام ناظريك إلى ما لا نهاية.. مياهه تعكس زرقة سماء صافية لا شية فيها.. في روعة المكان وهدوئه، يستريح القلب..وفي غمرة التأمل تتوالى الأفكار على خشبة مسرح الذاكرة.. حكاية “البحار والمتعلم” تجتاحك كلية وعلى حين غرة.. لم تعد تتذكر كاتبها، ولا راويها.. لكنك تذكر كل تفاصيلها وحيثياتها… حتى لكأنك ثالث الرجلين على نفس المركب العتيق.. تسمع حواراتهما.. تتابع حركاتهما.. وترصد انفعالاتهما.. الرجلان يجلسان متقابلين.. أحدهما في مؤخرة المركب، قد دبغت أشعة الشمس جلده، وشدت أمواج البحر عضلات ساعديه.. رجل يتقن التجديف، ويعرف طريقه وسط الأمواج.. تماما كما النحلة تعرف الطريق إلى خليتها وسط الأدغال.. والآخر في مقدمة المركب، يلبس نظارات طبية، ويحتضن كتابا.. رجل بارع في ترويض الحروف.. تفحص واجهة الكتاب طويلا، ثم رفعه مزهوا أما ناظري رفيقه، وقال محطما ذلك الصمت اللذيذ:

– كتاب رائع!.. وكاتب أروع!!..

هشَّ البحار كتفيه في غير اكتراث، وتابع التجديف..

– هل سبق أن قرأت كتاباً؟؟..

– لم أرتد المدرسة يوما في حياتي..

– أوه!.. كم هو محزن!..

ثم بعد صمت وجيز، وبصوت أسيف:

– الصراحة أقول لك صديقي أنك قد أضعت نصف حياتك!…

أسرها البحار في نفسه، ولم يجادل.. تابع سبيله في البحر سربا..ومن رحم المحيط، أطلت غيمة داكنة على الكون.. ما لبثت أن صارت عاصفة هوجاء استحالت معها زرقة السماء والمياه معا إلى سواد قاتم..وتمايل لها المركب الصغير بداية، ثم أخذ يهتزَّ لها اهتزازا.. التفت البحار إلى المتعلم ونظر مباشرة في عينيه:

– والسباحة؟؟.. هل تعلمت فنونها يوما؟؟..

امتقع وجه المتعلم.. تلعثم.. حرك رأسه بالنفي مستسلماً..

صاح البحار، صادقاً وليس شامتاً:

– الصراحة أقول لك صديقي أنك اليوم قد أضعت حياتك كلها!!…

تلكم حكاية درسناها ونحن بعد صغار، ولم ندر حينها أنها تخبئ بين طياتها سؤالا كبيرا عن مغزى الحياة، وموقع الإنسان فيها..واليوم، على شاطئ التفكير والتأمل، ها أنت تسائل نفسك: ” ترى من تكون؟؟ “..

أأنت ذلك المتعلم الذي يتعلم من الكتب ما لم يتعلمه من الحياة، فيبدع في كتابة فصول الحياة لكنه لا يعرف كيف يعيشها؟؟..

أم أنت ذلك البحار الذي يواجه المصاعب، ويركب الأهوال ومخاطر الحياة بصدر عار، فيعيشها حدَّ الاحتراق، لكنه لا يقدر كتابتها؟؟..

ألف تحية للروائي المبدع سي نور الدين مهندس النصوص على الطريقة الأمريكية، أشبهه عادة بصاحب الشيخ والبحر وداعا للسلاح، آرنست همنغواي المفاسيس

Share this content:

  • Related Posts

    كم ٱنتظرنا ظلك الحافي ..! وإلى ما تبقى من ملامح صديق قديم..عبد الرحيم هريوى – خريبݣة اليوم – المغرب

    تدوينة للصديق محمد نخال إطلالة بهية أيها العزيز تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال وعيدكم مبارك سعيد وكل عام وأنتم بألف ألف خير كم ٱنتظرنا ظلك الحافي ..إلى ما تبقى من ملامح صديق قديم كانت الابتسامة الكبرى موطنه..وكان قلبه كما وصفه محمود درويشأكبر من جغرافية الأرض..والناس معادن وأثمنها المعادن النادرة..سيدي نخال محمد الروائي والشاعر القويم من أصنافها..طبت وطاب ممشى حياة رائعة…

    Read more

    عين قارئ وناقد مغربي على أوراش الكتابة./.عبد الرحيم هريوى-خريبݣة اليوم-المغرب

    أوراش الكتابة؛ قد لا تخلو من جدال أدبي وفني مستمرين؛ ومثمرين أيضا، أي حول من يتقاسم أطباقها الدسمة بمواقع التواصل الاجتماعي يقول الشاعر والناقد المغربي صلاح بوسريف في تدوينة عبر موقع التواصل بالفيس بوك ما يلي أوراش الكتابة، لا تملى فيها المعايير، وليست دروسا في كتابة الشعر أو القصة أو الرواية، بل هي تمرين على الخيال، وعلى اللغة في عرائها الكامل،…

    Read more

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    عين على نص :”صوت الشعر وجماليته في التعبير عن حالة الآخر” صلاح بوسريف في قصائد: “أوَّلُ الصَّدَى”نعيم عبد مهلهل – خريبكة اليوم – المغرب

    عين على نص :”صوت الشعر وجماليته في التعبير عن حالة الآخر” صلاح بوسريف في قصائد: “أوَّلُ الصَّدَى”نعيم عبد مهلهل – خريبكة اليوم – المغرب

    عبر حديث للصورة. وظهور وجه الأديب السيد محمد اللقعة المثقف الخدوم..خريبكة اليوم – المغرب

    عبر حديث للصورة. وظهور وجه الأديب السيد محمد اللقعة المثقف الخدوم..خريبكة اليوم – المغرب

    ولنا في النهاية بيت بدون أبواب..ولنا لباس بدون أكمام..عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم – المغرب

    ولنا في النهاية بيت بدون أبواب..ولنا لباس بدون أكمام..عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم – المغرب

    “فأنت لا تفهم مشاعرالمرأة يا ٱبن أمي وتدعي أنك روائي..!!”عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم- المغرب

    “فأنت لا تفهم مشاعرالمرأة يا ٱبن أمي وتدعي أنك روائي..!!”عبد الرحيم هريوى -خريبكة اليوم- المغرب

    نحوقمة النجاح في هذه الحياة لا ينبني على الغش، ولا على غياب تأنيب الضمير..القلم المحلي لطيفة لبريز- خريبكة اليوم – المغرب

    نحوقمة النجاح في هذه الحياة لا ينبني على الغش، ولا على غياب تأنيب الضمير..القلم المحلي لطيفة لبريز- خريبكة اليوم – المغرب

    قراءة أدبية : الشاعرة تورية لغريب تتواجد كظلال خفية خلف قصائدها…عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب  

    قراءة أدبية : الشاعرة تورية لغريب تتواجد كظلال خفية خلف قصائدها…عبد الرحيم هريوى – خريبكة اليوم – المغرب